حين تختل الساعة في المغرب : بين قرارات تُفرض وصوت جسدٍ يُقاوم قراءة اجتماعية في دراسة الأخصائية لبنى أبقري
في كل عام، ومع تغيير التوقيت الرسمي في المغرب، يعود الجدل إلى الواجهة بقوة. قرار إداري يبدو بسيطاً في ظاهره ، إضافة ساعة واحدة ، لكنه في عمقه يلامس تفاصيل دقيقة من حياة المواطنين، من إيقاع نومهم إلى أدائهم المهني والدراسي، وصولاً إلى توازنهم النفسي والجسدي.
الساعة الصيفية لم تعد مجرد إجراء تقني لضبط الزمن، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تثير التساؤلات حول مدى انسجام القرارات العمومية مع طبيعة الإنسان البيولوجية وحاجياته اليومية.
في هذا حوار شامل لموقع لكل الأسرة ، نفتح الملف من زوايا متعددة مع الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، الدكتورة لبنى أبقري، لنفهم كيف تؤثر هذه الساعة "المفروضة" على الأفراد والمجتمع، كباراً وصغاراً، ولماذا يقاومها الجسد حتى حين يحاول العقل التكيف.
* بداية، كيف تنظرين دكتورة إلى موضوع الساعة الصيفية من زاوية اجتماعية؟
:
الساعة الصيفية ليست مجرد تعديل زمني، بل هي تدخل مباشر في الإيقاع اليومي للمجتمع. الإنسان كائن بيولوجي واجتماعي في آن واحد، وعندما يتم تغيير توقيته بشكل قسري، يحدث نوع من الاضطراب الجماعي الذي يظهر في السلوكيات اليومية، مثل التوتر، ضعف التركيز، وحتى تراجع الإنتاجية.
* كثيرون يقولون إن الجسد "يرفض" هذا التوقيت، هل هذا دقيق علمياً؟
نعم، إلى حد كبير. الجسد يعتمد على ما يسمى بـ"الساعة البيولوجية"، وهي نظام داخلي دقيق ينظم النوم، والاستيقاظ، والهرمونات. عند فرض توقيت جديد، يحدث خلل مؤقت—وأحياناً مزمن—في هذا النظام، ما يؤدي إلى اضطرابات في النوم، الإرهاق، وتقلب المزاج.
* كيف تنعكس هذه التغيرات على الصحة النفسية؟
نلاحظ ارتفاعاً في مستويات القلق والتوتر، خاصة في الأسابيع الأولى بعد تغيير الساعة. بعض الأشخاص يعانون من ما يشبه "صدمة زمنية"، حيث يشعرون بعدم التوازن، وفقدان السيطرة على روتينهم اليومي. هذا قد يتطور لدى البعض إلى اضطرابات نوم أو حتى اكتئاب خفيف.
* وماذا عن التأثيرات الجسدية؟
التأثيرات الجسدية تشمل التعب المزمن، الصداع، ضعف المناعة، واضطرابات في الجهاز الهضمي. النوم غير المنتظم يؤثر على كل وظائف الجسم تقريباً، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
* هل الأطفال هم الأكثر تضرراً؟
الأطفال من الفئات الهشة جداً في هذا السياق. تغيير الساعة يؤثر على تركيزهم في المدرسة، وعلى قدرتهم على الاستيعاب. كما أن اضطراب النوم لديهم ينعكس مباشرة على سلوكهم، فيصبحون أكثر عصبية أو خمولاً.
* وماذا عن كبار السن؟
كبار السن يعانون بشكل مختلف، إذ يكون تكيفهم أبطأ. قد يواجهون صعوبة في النوم، أو الاستيقاظ المبكر جداً، إضافة إلى تأثيرات على ضغط الدم ونبض القلب. بالنسبة لهم، الاستقرار الزمني مهم جداً.
* هل يمكن اعتبار رفض المجتمع لهذا التوقيت نوعاً من "المقاومة الاجتماعية"؟
بالتأكيد. حين يعبر الناس عن رفضهم، سواء عبر النقاشات أو وسائل التواصل، فهم في الواقع يدافعون عن توازنهم اليومي. هذه المقاومة ليست ضد القرار بحد ذاته، بل ضد تأثيره على حياتهم.
* هناك من يرى أن للساعة الصيفية فوائد اقتصادية، كيف نوازن بين ذلك والصحة؟
حتى لو كانت هناك فوائد اقتصادية، يجب ألا تكون على حساب صحة الإنسان. التنمية الحقيقية تأخذ بعين الاعتبار رفاه المواطن، وليس فقط الأرقام الاقتصادية. التوازن ضروري.
* كيف يمكن للأفراد التكيف مع هذا التغيير؟
هناك بعض النصائح المفيدة:
التدرج في تغيير مواعيد النوم قبل تطبيق الساعة الجديدة
التعرض للضوء الطبيعي صباحاً
تقليل استخدام الشاشات ليلاً
الحفاظ على نظام غذائي منتظم
لكن رغم ذلك، التكيف يظل نسبياً وليس حلاً جذرياً.
* في رأيك، هل الحل هو إلغاء الساعة الصيفية؟
الحل يجب أن يكون نابعاً من دراسة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب النفسية والاجتماعية، وليس فقط الاقتصادية. ربما ليس الإلغاء التام، ولكن إعادة النظر في طريقة تطبيقها وتوقيتها.
* في الختام :
بين قرار إداري يسعى إلى ضبط إيقاع الاقتصاد، وجسد إنساني يرفض التغيير القسري، تبقى الساعة الصيفية موضوعاً مفتوحاً للنقاش.
ما كشفه هذا الحوار هو أن الزمن ليس مجرد أرقام على ساعة، بل هو توازن دقيق بين الإنسان وبيئته. وعندما يختل هذا التوازن، يصبح من الضروري إعادة التفكير: هل نحن من نتحكم في الوقت، أم أن الوقت—حين يُفرض—هو من يتحكم فينا؟