في ظل تسارع وتيرة الحياة وتراجع مساحات التأمل، تبرز الفنانة التشكيلية المغربية ليلى بنشقرون كصوت فني هادئ، يعيد ترتيب الجمال وفق إيقاع الذاكرة والحنين. من قلب مدينة فاس، حيث تختلط عبق الأصالة بروح الحكايات القديمة، اختارت أن تمنح اللون معنى أعمق، وأن تحوّل تفاصيل التراث المغربي إلى لوحات تنبض بالحياة.

رحلتها مع الفن لم تكن تقليدية، بل كانت أشبه بحلم مؤجل استعاد بريقه في الوقت المناسب، ليؤكد أن الشغف الحقيقي لا يعرف الزمن. بأسلوب يمزج بين الواقعية والإحساس، تفتح ليلى بنشقرون نوافذ على عوالم داخلية غنية، تجعل المتلقي شريكاً في التأويل والتجربة.

في هذا الحوار الخاص مع موقع "لكل الأسرة"، تكشف لنا الفنانة عن بداياتها، مصادر إلهامها، رؤيتها للفن، وأسرار رحلتها التي أثمرت تجربة فنية صادقة ومتفردة، تحمل في طياتها رسالة وفاء للهوية واحتفاء بالجمال.


* بدايةً، عرفينا عن نفسكِ؟

ليلى بنشقرون، فنانة تشكيلية مغربية عصامية، من مواليد مدينة فاس، وأستاذة متقاعدة في مادة علوم الحياة والأرض.

* كيف كانت بداية الفنانة ليلى بنشقرون مع فن الرسم؟

بدأت علاقتي بالرسم منذ الصغر، حيث كنت منجذبة إليه بشكل عفوي.لكن مع مسؤوليات العمل وتربية الأبناء، ظل الفن حاضراً في حياتي بشكل محدود داخل محيطي العائلي والمهني.
كنت أحرص على خلق أندية صحية وبيئية داخل المؤسسة التعليمية، وتأطير أنشطة ثقافية وفنية، إيماناً مني بأن الفن عنصر أساسي في التربية والتوازن النفسي.
وكانت مرحلة التقاعد كفرصة حقيقية للعودة إلى هذا الشغف، حيث تفرغت له بوعي أكبر، وعملت على تطوير مهاراتي من خلال الورشات الفنية، والاطلاع، والبحث المستمر في تقنيات وأساليب التعبير.

* لماذا اخترتِ مجال الفنون؟

لأن الفن بالنسبة لي ليس مجرد اختيار، بل هو امتداد لذاتي، ووسيلة للتعبير عما تعجز عنه الكلمات.
كما يمنحني مساحة للتعبير عن مشاعر وذكريات عميقة، ويتيح لي تحويل ما هو داخلي وغير مرئي إلى صور ملموسة يمكن مشاركتها مع الآخر.
الفن ارى الفن وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، خاصة التراث المغربي، من خلال إعادة تقديمه برؤية فنية معاصرة تمزج بين الأصالة والحداثة.
وهم فقط إبداعاً بصرياً، بل أيضاً حالة من التأمل والتوازن النفسي، وحوار داخلي مستمر.

* متى رسمتِ أول لوحة فنية؟

أول لوحة رسمتها على القماش كانت سنة 2017، وكانت عبارة عن منظر طبيعي.
لكن علاقتي بالرسم أقدم من ذلك بكثير، فقد كنت أرسم منذ الصغر على الورق والخشب، وعلى كل سطح متاح. كان الرسم دائماً وسيلتي الأولى للتعبير عن ذاتي.

* من كان يشجعكِ في بدايتكِ؟

في بداياتي، كان لأستاذ مادة الرسم خلال مساري الدراسي دور كبير في تشجيعي، حيث كنت متفوقة في هذه المادة، وكانت بعض أعمالي تُعرض داخل القسم ويحتفظ بها، مما منحني ثقة كبيرة في نفسي.
كما تلقيت تشجيعات من مؤطر الورشات الفنية الذي ساهم في صقل موهبتي .
أما الدعم الأهم، فقد جاء من أبنائي، الذين كانوا دائماً سنداً لي، وشجعوني على الاستمرار وتحقيق هذا الحلم المؤجل. وكل تقدير لعملي الفني يشكل بالنسبة لي دافعاً لمزيد من العطاء والإبداع.

* هل واجهتكِ صعوبات في هذا المجال؟

من بين التحديات التي أواجهها كفنانة تشكيلية أنني أستغرق وقتًا طويلاً في الإبداع، لأنني أحرص على جودة العمل والاهتمام الدقيق بالتفاصيل من أجل نقل إحساس صادق داخل اللوحة.
والعمل الفني مهما كان قويًا، إذا لم يصل إلى الجمهور يبقى تأثيره ناقصًا. لذلك أشتغل على تطوير حضوري الفني حتى تجد أعمالي الجمهور الذي يقدّرها ويتفاعل معها

* ما هي الرسالة التي تودين إيصالها من خلال رسوماتكِ؟

أسعى من خلال أعمالي إلى إبراز جمال التراث المغربي، ليس فقط كعنصر جمالي، بل كهوية وثقافة وذاكرة حية.
كما أهدف إلى التحسيس بأهمية الحفاظ على هذا التراث ونقله للأجيال القادمة برؤية فنية معاصرة.

* ما الذي يميز لوحاتكِ عن غيرها؟

ما يميز أعمالي هو الاشتغال على الضوء والظل لإضفاء عمق بصري، إلى جانب العناية بالملمس والتفاصيل الدقيقة.
كما أحرص على خلق توازن بين الواقعية والإحساس، بحيث لا تكون اللوحة مجرد نقل بصري، بل تجربة فنية تنبض بالحياة.
وحالياً، أعمل على المزج بين الجانب الواقعي والتجريدي، لترك مساحة للخيال أمام المتلقي، تمكنه من التفاعل مع العمل وتأويله بطريقته الخاصة

* ماذا تعني لكِ الشهرة؟

الشهرة بالنسبة لي ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى الجمهور. الأهم هو أن يصل العمل الفني إلى المتلقي ويترك أثراً داخله.

* ما هو مصدر إلهامكِ؟

مصدر إلهامي الأساسي هو التراث المغربي بكل غناه وتفاصيله، إلى جانب ذكرياتي الشخصية، والطبيعة، ومشاهد الحياة اليومية.
كما أعتمد أحياناً على إعادة تركيب بعض العناصر وخلق مشاهد جديدة تمزج بين الواقع والخيال، أو انطلاقا من صور فوتوغرافية ألتقطها، ثم أعيد تأويلها برؤية فنية شخصية تعكس إحساسي وتصوراتي الخاصة

* من هي قدوتكِ ومثلكِ الأعلى؟

يمكنني القول إنني اليوم قدوة لنفسي. فالقدوة قد تكون ضرورية في بداية المسار، خاصة بالنسبة للفنان العصامي، إذ تتيح له التعلم من خلال ملاحظة أعمال فنانين آخرين، واكتساب تقنيات متعددة كضربات الفرشاة، وانسجام الألوان، والتعامل مع الضوء والظل.
لكن مع تطور التجربة، يصبح من الضروري التحرر من تأثير القدوة، والسعي إلى خلق بصمة فنية خاصة تعكس هوية الفنان وتميزه

* ما هي طموحاتكِ؟

طموحي أن أترك بصمة فنية مميزة، وأن أشارك في معارض دولية كبرى، وأن تصل أعمالي إلى جمهور واسع داخل و خارج المغرب.

* هواياتكِ بعيداً عن الفن؟

أهتم بتصوير الحياة البرية، وهو مجال يغذي خيالي ويمنحني زوايا نظر مختلفة. كما أعشق الموسيقى، وأنتمي إلى مجموعة كورال للموسيقى الأندلسية، وهو ما ينعكس أيضاً على إحساسي الفني

* لونكِ المفضل؟

أميل إلى الألوان الدافئة والغنية التي تعكس روح التراث المغربي، مثل ألوان القفطان والزخرفة والزليج التقليدي، وأحياناً يتغير اختياري حسب المزاج ومراحل الحياة.

* شعاركِ في الحياة؟

“لا وقت متأخراً لتحقيق الحلم”، وأؤمن أن التقاعد ليس نهاية، بل بداية لحياة جديدة.

* ما هي أمنياتكِ المستقبلية؟

أتمنى تحقيق انتشار أوسع، وأن تُعرض لوحاتي في فضاءات فنية عالمية،

* هل تشعرين بأنكِ وصلتِ إلى ما تريدين؟

ما زلت في بداية الطريق، وكل مرحلة أعتبرها خطوة نحو هدفي الأكبر.

* ما العبرة التي ألهمتكِ طريق النجاح؟

تعلمت أن الشغف الحقيقي لا يموت، وأن الإنسان يمكنه العودة لتحقيق حلمه في أي وقت إذا امتلك الإرادة.

* ما التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي؟

من أبرز التحديات إثبات الذات في ساحة مليئة بالمواهب، وصعوبة التسويق الفني والوصول إلى الجمهور المناسب، إضافة إلى الحاجة لفضاءات داعمة، والحصول على دعم لتنظيم المعارض.

* من أين تستمدين مواضيع أعمالكِ؟

أستمد مواضيعي من التراث المغربي، الطبيعة ومن تفاصيل الحياة اليومي وكذلك من الذاكرة الشخصية التي أترجمها بصرياً بلمستي الخاصة.

* ما هي اللوحة الأقرب إلى قلبكِ؟

لوحة أطلقت عليها اسم “نوستالجي”، لأنها تجسد ذكريات الطفولةو خاصة القفطان التي تذكرني بجدتي في الأعياد والمناسبات. إنها لوحة تحمل قيمة عاطفية كبيرة بالنسبة لي.

* حدثينا عن معارضكِ؟

شاركت في عدة معارض داخل المغرب وخارجه، من بينها تركيا،
والمهرجان الدولي للفن التشكيلي بدبي سنة 2025، والذي تم تسجيله في موسوعة غينيس لتحطيم الأرقام القياسية حيث وصل عدد الدول المشاركة إلى ما يزيد عن 50 دولة.
كما نظمت أول معرض فردي سنة 2024 بالمركب الثقافي أنفا بالدار البيضاء.

* إلى أي مدى استفدتِ من مواقع التواصل الاجتماعي؟

تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي أداة أساسية في مساري الفني، إذ تُمكّنني من عرض أعمالي أمام جمهور واسع يتجاوز الحدود الجغرافية. كما تتيح لي التفاعل المباشر مع المتابعين وتلقي آرائهم، مما يساهم في تطوير تجربتي وصقل رؤيتي الفنية.
إلى جانب ذلك، تشكّل هذه المنصات فضاءً مهماً للاطلاع على أعمال فنانين آخرين، والتعلم المستمر من تجاربهم وأساليبهم المختلفة،
كما تساعدني أيضاً على بناء هوية فنية خاصة وتعزيز حضوري في الساحة التشكيلية، وتفتح أمامي فرصاً للتعاون والمشاركة في معارض ومشاريع فنية.

* ما النصائح التي تقدمينها للمبتدئين؟

أنصحهم بالصبر والاستمرارية، وعدم التوقف عن التعلم، والثقة في أسلوبهم الخاص دون تقليد الآخرين، لأن التقليد يحد من الإبداع.

* كلمة أخيرة لمحبي فنكِ؟

شكراً لكل من يدعم الفن ويقدّر الجمال، فأنتم الدافع الحقيقي للاستمرار والإبداع.
وأؤمن أن الممارسة المستمرة هي سر التطور والنجاح.


Image description
Image description
Image description