في عالمٍ لم يعد يعترف بالثبات، حيث تتلاحق التحولات وتشتد المنافسة، يغدو التميز رهين القدرة على الجمع بين ومضة الفكرة ودقة التنفيذ. لم يعد الإبداع ترفًا فكريًا يُستحسن امتلاكه، بل أصبح لغة العصر وأداة البقاء في ميادين العمل والحياة. ومن هذا الأفق، يبرز كتاب “الإبداع والأداء” للدكتور محمد بن عيد السريحي بوصفه قراءة عميقة في جدلية الفكر والعمل، إذ ينسج رؤية متكاملة تربط بين شرارة الابتكار وصلابة الإنجاز.

يأخذنا المؤلف في هذا العمل إلى ما هو أبعد من التنظير، حيث يعيد تعريف الإبداع كقوة قابلة للتنمية، ويضع الأداء في موقعه الطبيعي كترجمة حقيقية للأفكار. وفي إطار ينتمي إلى أدبيات تطوير الذات والإدارة المعاصرة، يسعى الكتاب إلى ترسيخ وعي جديد يُمكّن الأفراد والمؤسسات من تحويل الطاقات الذهنية إلى نتائج ملموسة، وصناعة أثرٍ مستدام في بيئة لا تكافئ إلا من يُحسن التفكير ويُتقن الفعل.

* الإبداع... المفهوم الذي يتجاوز الفكرة

يبدأ السريحي بتفكيك مفهوم الإبداع، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تربطه بالموهبة الفطرية فقط. فهو يرى أن الإبداع مهارة يمكن تعلمها وتطويرها، تقوم على القدرة على النظر إلى الأشياء من زوايا مختلفة، وإنتاج حلول غير تقليدية للمشكلات.
ويؤكد أن الإبداع لا يعني دائمًا الابتكار الجذري، بل قد يكون في تحسين القائم، أو إعادة ترتيب الأفكار، أو تقديم حلول بسيطة لكنها فعّالة. وهنا يلفت إلى أن أكبر عائق أمام الإبداع هو الجمود الذهني والخوف من الفشل.

* الأداء... المعيار الحقيقي للقيمة

ينتقل المؤلف إلى الحديث عن الأداء بوصفه الوجه الآخر للإبداع، حيث يشدد على أن الأفكار مهما بلغت روعتها، تظل بلا قيمة إن لم تتحول إلى أفعال.
ويطرح مفهوم "الأداء الفعّال" الذي يقوم على:

• وضوح الأهداف
• حسن التخطيط
• الانضباط في التنفيذ
• القدرة على التقييم المستمر

كما يبرز أهمية الكفاءة والالتزام، معتبرًا أن الأداء هو المقياس الحقيقي لنجاح الأفراد والمؤسسات.

* العلاقة التكاملية بين الإبداع والأداء

من أبرز محاور الكتاب، تأكيده على أن العلاقة بين الإبداع والأداء ليست تنافسية بل تكاملية. فالإبداع يولد الأفكار، بينما الأداء يحولها إلى نتائج.
ويضرب المؤلف أمثلة على مؤسسات تمتلك أفكارًا مميزة لكنها تفشل بسبب ضعف التنفيذ، وأخرى تنفذ بكفاءة لكنها تفتقر إلى التجديد، فتفقد قدرتها على المنافسة. ومن هنا يطرح مفهوم "التوازن الذكي" بين التفكير والتنفيذ.

* كيف ننمّي التفكير الإبداعي؟

يقدم السريحي مجموعة من الأدوات العملية لتنمية الإبداع، منها:

• توسيع دائرة المعرفة والاطلاع
• طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالإجابات الجاهزة
• تقبل الأخطاء كجزء من عملية التعلم
• تدريب العقل على الربط بين الأفكار المختلفة

كما يشدد على أهمية البيئة المحفزة، سواء في العمل أو في الحياة الشخصية، معتبرًا أن الإبداع يزدهر في بيئة تتقبل الاختلاف وتشجع المبادرة.

* بيئة العمل ودور القيادة

يتوقف الكتاب عند دور القيادات في صناعة بيئة إبداعية، حيث يرى أن القائد الناجح هو من:

• يمنح فريقه الثقة والمساحة للتجربة
• يشجع المبادرات الفردية
• يتقبل الأفكار الجديدة حتى لو كانت غير مكتملة
• يحفّز على العمل الجماعي

ويؤكد أن المؤسسات التي تقمع الإبداع تفقد قدرتها على التطور، مهما كانت مواردها.

* تحسين الأداء الشخصي والمؤسسي

يختتم المؤلف برؤية تطبيقية لتحسين الأداء، ترتكز على:

• إدارة الوقت بكفاءة
• تحديد الأولويات
• العمل بروح الفريق
• اتخاذ القرارات المبنية على تحليل لا على انطباع

كما يربط بين الأداء العالي والانضباط الذاتي، موضحًا أن النجاح ليس نتيجة لحظة إبداع، بل حصيلة التزام مستمر.

* في الختام

يقدّم كتاب “الإبداع والأداء” رؤية متكاملة تجمع بين الفكرة والتطبيق، ويضع القارئ أمام مسؤولية تطوير ذاته ومحيطه. فهو لا يكتفي بالتنظير، بل يدعو إلى ممارسة واعية تجعل من الإبداع أسلوب حياة، ومن الأداء معيارًا يوميًا للإنجاز.
وبأسلوبه المبسط وطرحه العملي، ينجح الدكتور محمد السريحي في تقديم دليل فكري وعملي لكل من يسعى إلى التميز في عالم لا يعترف إلا بمن يجمع بين الفكرة الخلّاقة والتنفيذ المتقن.