في زمن باتت فيه الهواتف المحمولة نوافذ لعالم افتراضي بلا حدود، حيث تتنافس خوارزميات منصات التواصل على جذب انتباه المستخدم، ظهرت ظاهرة اللايفات المباشرة كمساحة مفتوحة، أحيانًا للتسلية والتعليم، وأحيانًا لاستغلال الجسد وكسب المال. ما بين الشهرة السريعة والإغراء الإلكتروني، يقف القانون أمام تحدٍ حقيقي: كيف يواكب هذه التحولات؟ وهل هناك حماية فعلية للقاصرات والمراهقات؟

في هذا الحوار الحصري الذي أجرته مجلة وموقع " لكل الأسرة " مع الأستاذة ابتسام الإسماعيني، محامية بهيئة الدار البيضاء، نحاول فك خيوط هذا الانفلات الرقمي وتسليط الضوء عليه من منظور قانوني شامل.

* أستاذة ابتسام، بعد متابعة ظاهرة البث المباشر على منصات التواصل، هناك محتوى يستغل الجسد ويستهدف القاصرات أحيانًا، فكيف ينظر القانون المغربي لهذه الظاهرة ؟

القانون المغربي ينظر بجدية إلى أي استغلال للجسد، سواء كان ذلك ماديًا أو رقميًا. فقد خصّ القانون الجنائي المغربي مجموعة من المقتضيات الزجرية لمواجهة هذه الأفعال، خاصة من خلال الفصول 497 إلى 503 المتعلقة بالتحريض على الفساد والاستدراج ، حيث تتراوح العقوبات بين الحبس من شهر إلى سنة في حالات التحريض البسيط، وتصل إلى سنتين إلى خمس سنوات، وقد تبلغ عشر سنوات في حالات الاستدراج أو إذا كان الضحية قاصرًا أو تم الاستغلال في إطار منظم.

كما ينص الفصل 503-1 على معاقبة استدراج القاصرين عبر وسائل الاتصال الحديثة بـ الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، في حين يقرّ الفصل 503-2 عقوبات أشد تصل إلى السجن من سنتين إلى عشر سنوات لكل من استغل القاصرين لأغراض جنسية، بما في ذلك عبر الوسائط الرقمية.

وتشمل هذه المقتضيات كل أشكال الاستمالة أو التحريض التي تستهدف القاصرين، سواء تمت بشكل مباشر أو عبر الفضاء الرقمي، مع تشديد العقوبات بالنظر إلى هشاشة هذه الفئة.

وقد كرّس القضاء المغربي هذا التوجه، حيث اعتبرت محكمة النقض المغربية في عدة قرارات أن استدراج القاصرين عبر الوسائط الإلكترونية يُعدّ صورة من صور التحريض على الفجور والاستغلال الجنسي، حتى في غياب اتصال جسدي مباشر، ما دام الفعل يتضمن نية الاستغلال أو الإفساد.

غير أن الإشكال المطروح اليوم يتمثل في أن التطور السريع للفضاء الرقمي يطرح تحديات قانونية وتقنية، حيث لا تزال بعض الممارسات مثل “الدعارة الرقمية” أو أشكال التحرش والاستدراج عبر الإنترنت تثير صعوبات في التكييف القانوني والتتبع القضائي، مما يخلق نوعًا من الفراغ العملي في التطبيق، ويجعل ملاحقة المتورطين أكثر تعقيدًا.


* وماذا عن المسؤولية القانونية للمنصات نفسها؟ هل يمكن تحميلها جزءًا من المسؤولية؟

بالفعل، هناك مسؤولية نظرية للمنصات، خصوصًا تلك التي تسمح بالبث المباشر بدون رقابة فعّالة. القانون المغربي يشترط على أي منصة تعمل على أرض الوطن أو تستهدف المستخدم المغربي، الالتزام بتقنيات مراقبة المحتوى والإبلاغ عن التجاوزات. ومع ذلك، التطبيق العملي غالبًا محدود، لأن المنصات العالمية تعتمد خوادم خارج المغرب، وبالتالي يصعب إلزامها بالرقابة المحلية إلا من خلال التعاون الدولي.

* القاصرات معرضات للخطر الأكبر، فما هي العقوبات القانونية في حال تورط شخص في تحريضهن على تقديم محتوى إباحي؟

العقوبات قاسية جدًا وفق القانون المغربي. أي شخص يستغل قاصرًا للحصول على صور أو فيديوهات جنسية أو حتى مجرد بث مباشر بطريقة غير مشروعة، يمكن أن يواجه السجن من 5 إلى 10 سنوات وغرامات مالية كبيرة. وهناك أيضًا إجراءات إضافية لحماية القاصرات، مثل متابعة أولياء الأمور، ومصادرة الأجهزة الرقمية، وحظر المتهم من التعامل مع أي منصات رقمية أثناء التحقيق.

* ما رأيكم في نظام "الهدايا الرقمية" الذي تحول إلى اقتصاد قائم على الإثارة؟ هل هناك نص قانوني ينظم هذا النوع من المعاملات؟

حتى الآن، لا يوجد نص صريح ينظم الهدايا الرقمية في البث المباشر بالمغرب، وهذا يشكل ثغرة قانونية. القانون المالي والنقدي المغربي ينظم تحويل الأموال عبر البنوك أو منصات الدفع الرسمية، لكن الهدايا الرقمية التي تتحول لاحقًا إلى أرباح نقدية غالبًا تخرج عن دائرة الرقابة، ما يجعلها أرضًا خصبة للاستغلال الأخلاقي والقانوني. هناك حاجة ملحّة لإصدار توجيهات واضحة للمنصات لمنع تحويل أي محتوى إباحي إلى منفعة مالية، خصوصًا عند استهداف القاصرات.

* في ظل الفراغ القانوني، ما هي توصيتك للمجتمع والأسرة لحماية الأبناء والمراهقين؟

الأسرة هي خط الدفاع الأول. الرقابة التكنولوجية مهمة، لكنها لا تكفي بمفردها. الحوار المفتوح مع الأبناء، وزرع الوعي الرقمي والأخلاقي، ومتابعة سلوكياتهم على الإنترنت، كلها أدوات أساسية. من جهة أخرى، على المجتمع المدني والمنصات العمل على آليات بلاغ فوري عن المحتوى المخل، مع تفعيل التعاون بين السلطات الأمنية والقانونية لضمان حماية فعّالة.

* هل يمكن القول إننا أمام شكل جديد من الدعارة الرقمية؟

نعم، في بعض الحالات، يمكن وصفها بـ"دعارة رقمية"، خصوصًا إذا كان البث المباشر قائمًا على استغلال الجسد مقابل أرباح مالية مباشرة أو غير مباشرة. المشكلة أن القانون لم يفرّق بعد بين الدعارة التقليدية والدعارة الرقمية، مما يخلق فراغًا في التصنيف والملاحقة القضائية، وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة ويستدعي تشريعات جديدة تتماشى مع العصر الرقمي

.

* في رأيك، ما هو الحل القانوني الأمثل لمواجهة هذه الظاهرة؟

الحل يشمل عدة مستويات:

• تحديث النصوص القانونية لمواكبة التكنولوجيا الرقمية.

• فرض مسؤولية فعلية على المنصات بما فيها آليات التصفية والتنبيه المبكر.

• تدعو المواطنين إلى التعاون مع الفرق الأمنية عبر اليقظة والتبليغ عن أي سلوك مشبوه، باعتبار أن حماية أمن الوطن مسؤولية مشتركة للجميع.

• تعزيز التوعية المجتمعية والأسرية للحد من الانجراف وراء الشهرة والمال الرقمي.

* كيف تُقيّمين هذه المجهودات المتواصلة التي تبذلها الأجهزة الأمنية المغربية في تحديث أساليب عملها واعتمادها على التقنيات الحديثة؟ وما المطلوب من المواطنين للمساهمة في تعزيز الأمن وضمان احترام القانون؟

بداية، لا يسعنا إلا أن نُشيد ونُثمن المجهودات المتواصلة التي تبذلها الأجهزة الأمنية المغربية، والتي تعكس حرصًا واضحًا على تطوير أساليب العمل وتعزيز النجاعة من خلال اعتماد التقنيات الحديثة. ولا شك أن هذا التحديث يشكل خطوة إيجابية في اتجاه تحسين فعالية التدخلات الأمنية، خاصة في ما يتعلق برصد المخالفات وجمع الأدلة بشكل دقيق.
من الناحية القانونية، تظل هذه الممارسات مشروعة ومحمودة، ما دامت تحترم الضوابط القانونية وحقوق الأفراد، لاسيما ما يرتبط بحماية الحياة الخاصة وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يشكل أساس دولة القانون.
أما بخصوص دور المواطنين، فإنه يظل محوريًا في دعم هذه الجهود، من خلال التحلي باليقظة، واحترام القانون، والتبليغ عن أي سلوك مشبوه. فتعزيز الأمن مسؤولية مشتركة، تتطلب تعاونًا وثيقًا بين الأجهزة الأمنية والمجتمع، بما يساهم في ترسيخ الاستقرار وصون النظام العام.

* في ظل التوسع السريع للتكنولوجيا داخل المؤسسات التعليمية، وما يرافقه من جدل حول “الحرية والانفلات الرقمي”، هل ترون أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار مدعوة اليوم إلى إدراج مادة دراسية تُعنى بالثقافة الرقمية وحدود استعمالها؟

بالفعل، أصبح من الضروري مواكبة هذا التحول الرقمي داخل المنظومة التربوية، لأن الحرية الرقمية إذا لم تُؤطر بالوعي والمعرفة قد تتحول إلى نوع من الانفلات. إدراج مادة تُعنى بالثقافة الرقمية سيمكن المتعلمين من فهم ليس فقط كيفية استعمال التكنولوجيا، بل أيضًا إدراك مخاطرها وحدودها الأخلاقية والقانونية.
كما أن هذه الخطوة ستساهم في بناء سلوك رقمي مسؤول، وتعزيز قيم احترام الآخر والحياة الخاصة، وهو ما أصبح اليوم جزءًا أساسيًا من التربية الحديثة. لذلك، فالتأطير التربوي يظل الحل الأنجع لتحقيق توازن حقيقي بين الحرية والانضباط في الفضاء الرقمي.

* خلاصة الحوار :

تؤكد الأستاذة ابتسام الإسماعيني أن ظاهرة البث المباشر لم تعد مجرد ترفيه، بل أضحت إشكالًا قانونيًا واجتماعيًا معقدًا، يتداخل فيه استغلال القاصرات مع فراغ تشريعي وتسارع رقمي يصعب ضبطه. ورغم وجود نصوص قانونية صارمة، فإن الحاجة باتت ملحّة لتحديثها وفرض رقابة أكبر على المنصات الرقمية.
وفي المقابل، يظل الوعي الأسري والمجتمعي عنصرًا حاسمًا، إذ إن حماية الأجيال لا تتحقق بالقانون وحده، بل بتكامل الجهود بين التشريع والرقابة والتربية. إنها معركة توازن بين الحرية والمسؤولية، لحماية الكرامة الإنسانية وصون القيم داخل الفضاء الرقمي.