في ظل تنامي الحديث عن الجرائم المالية، وصعود عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب عالميًا وإقليميًا، يبرز السؤال الأكثر إثارةً: كيف يتعامل القانون المغربي مع هذه الظاهرة؟ وما هي الجزاءات الرادعة لمن يساهم في إخفاء أو تبييض أموال متحصلة من جرائم؟
في حوار حصري لموقع «لكل الأسرة»، تستضيف الأستاذة ابتسام الإسماعيني محامية بهيئة الدار البيضاء ، لتجيب عن أهم الأسئلة القانونية والإجرائية حول قانون مكافحة غسل الأموال في المغرب، عقوباته، التزامات المؤسسات، ودور النيابة العامة والهيئات الرقابية، بكلمات بسيطة وواقعية لكل قارئ يهتم بالعدالة والحماية القانونية.

* بدايةً، ما المقصود بـ«غسل الأموال» من منظور القانون المغربي؟

غسل الأموال، حسب القانون الجنائي المغربي، هو كل فعل يهدف إلى إخفاء أو تمويه مصدر أموال أو ممتلكات متحصلة من جريمة أصلية، أو المشاركة في تسهيل ذلك ، سواء عن طريق الاقتناء، التحويل، النقل، أو استخدام تلك الأموال بطريقة تبدو شرعية. ويشمل أيضًا مساعدة أي طرف متورط في جريمة أصلية على الإفلات من آثارها القانونية.

* ما هو الإطار القانوني الذي ينظم مكافحة غسل الأموال في المغرب؟

الإطار الأساسي هو القانون رقم 43?05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما تم تعديله وتتميمه عبر القانون 12?18. هذا القانون يعرف الجريمة، ويحدد المحاور التنظيمية والرقابية، ومنهم:
الهيئة الوطنية للمعلومات المالية (ANRF)،
اللجنة الوطنية المكلفة بتطبيق العقوبات المتعلقة بقرارات مجلس الأمن،
وكذلك سلطات الرقابة المالية وغيرها.

* ما هي الجرائم الأصلية التي تسبق غسل الأموال؟

القانون يربط غسل الأموال بجرائم متعددة مثل:

• الاتجار في المخدرات،
• التهريب،
• الفساد،
• التهرب الضريبي،
• الاحتيال والجرائم الاقتصادية الأخرى.

هذه الجرائم هي «الأساس» الذي تولد منه الأموال غير المشروعة.

* وما هي العقوبات القانونية عند ثبوت جريمة غسل الأموال؟

العقوبات في القانون المغربي جد صارمة وتشمل:

1 السجن والغرامة المالية للأفراد المتورطين مباشرة في غسل الأموال.

2 مصادرة الأموال والممتلكات ذات الصلة بالجرم، حتى لو تم دمجها في أصول قانونية.

3 تحمل المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية (الشركات)، بما في ذلك:

• غرامات مالية ضخمة،
• حظر ممارسة نشاطات معينة،
• إمكانية حل المؤسسة في الحالات الأكثر خطورة،

وذلك عندما يكون الكيان نفسه مشاركًا أو متواطئًا في الجريمة.

* وكيف يطبق القانون واجبات اليقظة والإبلاغ لمن يعمل في القطاعات المالية؟

القانون يفرض على المؤسسات البنكية، شركات التأمين، الوكلاء العقاريين، والمحامين كل من يقوم بتحريك أموال واجبات اليقظة والتحقق من الزبناء.

وهذا يعني:

• التثبت من الهوية الحقيقية للعملاء؛
• مراقبة التعاملات الكبيرة أو المشبوهة؛
• الإبلاغ عن أي معاملة مثيرة للشك لهيئة المعلومات المالية.
إخفاق المؤسسات في هذه الواجبات يعرضها لعقوبات إدارية وجزائية، بما في ذلك فقدان التراخيص.

* وما دور النيابة العامة والهيئات الرقابية في هذا المجال؟

النيابة العامة تتولى فتح التحقيقات ومتابعة المتهمين، بينما هيئة المعلومات المالية تحلل التقارير وتقرر ما إذا كانت الأفعال تشكل جرائم تستوجب الإحالة إلى القضاء.
هناك أيضًا لجان وطنية تعمل على تنسيق جهود الدولة مع المعايير الدولية، ولا سيما مع مجموعة العمل المالي (FATF) التي تضع معايير عالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

* هل القانون يعاقب أيضًا المؤسسات التي لا تلتزم بالتقارير والواجبات؟

نعم. عدم الامتثال للالتزامات الرقابية مثل عدم تطبيق نظام داخلي كافٍ أو عدم تقديم تقارير مشبوهة يعرض المؤسسة لعقوبات إدارية من الهيئات الرقابية، وقد يُنظر إلى هذا الإهمال أحيانًا كـ"مشاركة في الجريمة" إذا ثبت أنها كانت بقصد التسهيل.

* كلمة أخيرة توجهينها للقارئ حول أهمية القانون؟

هدف القانون ليس فقط معاقبة المجرمين بل أيضًا حماية الاقتصاد الوطني من التدفقات المالية غير المشروعة، وضمان شفافية التعاملات المالية، واحترام الحقوق والحريات للمواطنين والمنتسبين إلى المهن والقطاعات الخاضعة للمراقبة.

* في ختام الحوار

تؤكد الأستاذة ابتسام الإسماعيني أن قانون مكافحة غسل الأموال في المغرب ليس مجرد نصوص على الورق، بل هو أداة فعلية لحماية الاقتصاد الوطني، وضمان الشفافية المالية، وردع كل من تسول له نفسه استغلال الثغرات لإخفاء أموال غير مشروعة.
وتضيف أن التزام المؤسسات المالية، المحامين، والقطاعات الاقتصادية بواجبات اليقظة والإبلاغ، إلى جانب دور النيابة العامة والهيئات الرقابية، يجعل المغرب في موقع قوة على الساحة الإقليمية والدولية في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة.
إن فهم القانون والالتزام به هو مسؤولية كل فرد ومؤسسة، لضمان اقتصاد نظيف وآمن، ومجتمع يحترم العدالة والمساواة أمام القانون.