في زمن يتسارع فيه التغيير المعرفي وتتشابك فيه مفاهيم الاقتصاد والتعليم والتنمية، يبرز الإبداع كعنصر حاسم في صياغة مستقبل الأمم. لم يعد الإبداع مجرد موهبة فردية، بل أصبح ضرورة استراتيجية لأي مجتمع يسعى للتميز في عصر اقتصاد المعرفة، حيث تقاس قوة الدول ليس بالموارد الطبيعية فحسب، بل بقدرة الإنسان على إنتاج الأفكار وتحويلها إلى قيمة ملموسة.

في هذا الإطار، يطل علينا الدكتور محمد بن عيد السريحي، رجل العلم والإبداع والتنمية المستدامة، برؤية تجمع بين النظرية والتطبيق، بين الفكرة والمشروع، وبين الطموح والخبرة العملية. بصفته رئيس المجلس العربي للإبداع والابتكار وعضوًا نشطًا في الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، عمل الدكتور السريحي على بناء منظومة عربية متكاملة لدعم المبدعين والمخترعين، وتقديم فرص حقيقية للشباب والمواهب العربية لتطوير أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع ملموسة. ومد الجسور بين أبناء الوطن العربي من مشرقة الى مغربة ومن شمالة الى جنوبة وإيجاد لغة حوار وتعاون حول ان الابداع اصبح صناعة لنهضة الأمم .

هذا الحوار الشامل لموقع ومجلة لكل الأسرة ، يفتح ملفات الإبداع في العالم العربي، ويناقش دور الأسرة والمدرسة في تنشئة جيل مبدع، ويستعرض تجربة الدكتور السريحي الطويلة في الإدارة الأكاديمية والمؤسسية، وإسهاماته في بناء بيئة حاضنة للابتكار والمعرفة.

* دكتور محمد، بدايةً، هل يمكن أن تعرف نفسك للقارئ؟

الدكتور محمد السريحي: بكل سرور. أنا محمد بن عيد السريحي، سعودي الجنسية، من مواليد مدينة جدة عام 1964م هذه المدينة الحالمة التي تترامي على شواطئ البحر الأحمر بجمالها وسحرها ملهمة لابنائها. شغوف منذ الطفولة بكل ما يحيط بي علوم ومعارف تنوعت بالدراسة من العلوم والفيزياء الى هندسة انظمة الطيران ثم العلوم الإدارية من البكالوريس الى الدكتوراة بفلسفة الإدارة وعملت في عالم صناعة الطيران والنقل الجوي وبالذات بمنظومة صيانة هندسة أنظمة تحليل البيانات في أنظمة الملاحة الجوية لثلاث عقود ومنها انطلق الاهتمام المعرفي في للربط بين الأنظمة التقنية والقدرات البشرية وهنا وجدت ضالتي في عالم الابداع واهتممت بالغوص في اسبار مجال الإبداع والابتكار والتنمية المستدامة خلال الاندراج بمراحل الدراسات العليا في إدارة الموارد البشرية بمرحلتي الماجستير والدكتوراة ومحاولة الجمع ما بين الثقافة و التجربة والعمل والعلم ، وأسعى من خلال خبرتي الأكاديمية والإدارية للاهتمام ودعم وتفعيل نشر ثقافة الابداع والابتكار و تسليط ضوء على المبدعين والمبتكرين و المخترعين وربطهم بالمؤسسات العلمية والتنموية في العالم العربي.


* وما المناصب والمسؤوليات التي تتولاها حاليًا؟

أشغل عدة مناصب مهمة، منها:

* رئيس المجلس العربي للإبداع والابتكار بالاتحاد العربي للتنمية المستدامة احدى المنظمات التي تشرف عليها إدارة المنظمات والاتحادات بجامعة الدول العربية.


* عضو في الأمانة العامة للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة.

* مستشار علمي في اتحاد مجالس البحث العلمي العربية.

* كما أعمل مستشارًا في جمعيات ثقافية وفنية داخل السعودية، وأسعى لتفعيل دور المؤسسات العربية في دعم المبدعين والمخترعين.

* حدثنا عن مسيرتك المهنية السابقة.

عملت لفترة طويلة في المجال الفني والأكاديمي والإداري الأنظمة الملاحية بالهيئة العامة للطيران المدني السعودي منذ تخرجي من الاكاديمية السعودية للطيران المدني حاليا (معهد التدريب الفني للملاحة الجوية سابقا ) عام 1988م الى 2013 م وانا اتنقل بالعمل في أنظمة أجهزة صيانة المراقبة الجوية تخصص تحليل ومعالجة البيانات على ، وأيضا انتقلت بعد الانتهاء من الدكتوراه بالعمل كمدير الموارد البشرية ومستشارًا في الأكاديمية السعودية للطيران المدني بين 2013 و2017، وعملت في الشركة السعودية لخدمات الملاحة الجوية حتى عام 2019. هذه الخبرات مكنتني من اكتساب خبرة لا بائس بها كاتشاف القدرات وتطوير مهارات الإدارة، التدريب، وتنمية الموارد البشرية.

* وما أبرز الإنجازات والمبادرات التي قمتم بها؟

على مستوى العمل الرسمي بمنظومة الطيران تأسيس فرق للارتقاء بالعمل من خلال تفعيل القدرات لدى الموظفين والاستفادة منها المشاركة بلجنة لتقييم أداء الموظفين بقطاع هندسة الصيانة بمطار الملك عبدالعزيز وعمل دراسة الدكتوراة على شريحة موطفي منظومتي لمعالجة نقاط الضعف والاستفادة من نقاط الضعف وكانت بعنوان ( الابداع والاداء الوظيفي لمنسوبي الملاحة الجوية ) ولاقت الاستحسان من رئيس الهيئة العامة للطيران المدني آنذاك الدكتور فيصل الصقير وقادة إدارة الملاحة الجوية بهيئة الطيران المدتي السعودي مما ساعدني بالانتقال للعمل بالاكاديمية السعودية للطيران المدني .
على مستوى الشغف وهو ما يتعلق بالابداع والابتكار
لدي العديد من المبادرات، أبرزها:
• تــأسيس ملتقى المبدعين بجمعية الثقافة والفنون بجدة 2018.

• الانظمام كعضو مؤسس لجمعية المخترعين السعودين 2019.

• تــاسيس ديوانية السريحي للإبداع اثر الازمة العالمية لاوباء (كوفيدا19 ) 2020

• تأسيس مركز الإبداع العربي للتدريب في جدة 2021

• تأسيس المجلس العربي للإبداع والابتكار عام 2021

• المشاركة في اعمال جمعية البيئة السعودية كمستشار.


كل هذه المبادرات تهدف إلى تمكين المبدعين وربط المؤسسات العربية ببعضها لتحقيق التنمية المستدامة من خلال الابتكار العلمي والتكنولوجي.

* كيف تصف واقع الإبداع في العالم العربي؟

لدينا ثروة بشرية هائلة، خصوصًا الشباب، لكن التحدي يكمن في البيئة الداعمة. هناك فجوة بين الطاقات والفرص، ومع ذلك، بدأت المؤسسات الرسمية والخاصة تدرك أهمية الاستثمار في الإبداع، ونحن نشهد تحولًا إيجابيًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة ولكن مازال الواقع ما دون الامل حيث الحكومات تقدم وتجتهد والمبدعين والمبتكرين يحاولون انما هناك ركن عظيم ولكن مازال دون المستوى الا وهو القطاع الخاص الذي بيده التسريع والاخذ بالافكار والابتكارات وتحويلها الى صناعات وخدمات.

* ما الدور الذي يقوم به المجلس العربي للإبداع والابتكار؟

دعني اعرفك بكلمات بسيطة من هو المجلس العربي فكرة ورؤية واهداف ليتعرف القارىء والمهتم العربي

الفكرة : تأسيس مجلس يكون مظلة عربية برعاية الإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة تهتم بالمبدع والمبتكر العربي من خلال توحيد الجهود للمهتمين بالإبداع والابتكار والبحث العلمي ولخدمة توجهات التنمية والحفاظ على البيئة بأساليب علمية وتكنولوجيا حديثة وتحقيق قيمة مضافة للموارد البشرية باكتشاف وبناء القدرات للمبدعين والمبتكرين والتنمية العلمية والصناعية والاقتصادية والصحية مما يعود بنمو اقتصادي من خلال حراك مجتمعي والاستفادة المثلى من البيئة ومواردها وتحقيق تنمية مستدامة ومستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة.

الرسالة: نشر ثقافة الإبداع وتبني الأفكار المتميزة الابتكارية وتحويلها
إلى منتجات ذات قيمة تنموية.

الرؤية: يسعى المجلس العربي للإبداع والابتكار ان يكون مركز إقليمي وعالمي في مجال الإبداع التكنولوجي وريادة الأعمال.
المجلس يعمل على بناء منظومة عربية متكاملة لدعم المبدعين، من خلال التدريب، التأهيل، تنظيم المؤتمرات، ربط أصحاب الأفكار بالجهات الداعمة، وإنشاء حاضنات للابتكار. نحن لا نكتفي باكتشاف المبدعين، بل نركز على تمكينهم وتحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للتطبيق.

* لننتقل إلى محور مهم: الإبداع عند الأطفال. كيف ترونه؟

الإبداع حالة طبيعية لدى الأطفال، وليس استثناءً. الطفل يولد مبدعًا بطبيعته، لكن البيئة يمكن أن تعزز هذا الإبداع أو تقيده. الخطأ الأكبر هو محاولة "قولبة" الطفل في نماذج جاهزة، بدلًا من اكتشاف ما يميزه.
الطفل المبدع هو ثروة بشرية وطنية حقيقية لأي مجتمع من المجتمعات، ومن يوصفون بالمتفوقين أو الموهوبين إنما هم فئة تمثل القلب النابض والعقل المفكر القادر على الإبداع والعطاء، وهم نخبة وثروة لا تنضب إن أحسن استثمارها بشكل فاعل وإيجابي في مواجهة التحديات في أي زمان ومكان


* كيف يمكن للأسرة اكتشاف وتنمية الإبداع لدى أطفالها؟

تستطيع اكتشاف الابداع من خلال التالي

• القدرة القوبة على التخيل
• الانضباط الذاتي (الاهتمام بالزمن)
• يمتلك ذاكرة قوية (تساعده على التفوق بالمهارات التعليمية )
• لدية الشغف القراءه والاهتمام بالفنون (الرسم والمسرح والقصة )
• لدية الفضول في التعلم (مما يساعدة لتخطى اقرانه معرفيا)
• لدية القدرة على الاستدلال (تحليل وربط الاحداث وتفسيرهالايجاد الحلول المنطقية) • الاصالة في التعبير (يتضح ذلك في حالة التعرض لاي موقف يعالجة بثقة وإيجاد مخارج عقلانية ) •القدرة على التعلم السريع (لدية قدرات استثنائية تفوق زملائة تجله موهوب ويكون ذكاءه فوق المتوسط)
• قوة التركيز والانتباه (تجد الطفل يهتم و يركز في بعض الأمور ويفسرها بشكل منطقي)
• الامن والاستقرار العاطفي (من اهم صفات المبدع الصغير الاستقرار العاطفي مما يجعله يتفرد بالقرار والتركيز وله شخصية قيادية


* وما الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الآباء؟

من أبرزها:

• عدم ملاحظة ابداع أبنائهم بالانشغال بامور اقل أهمية الحياة والرفاهية دون نلمس ومعرفة قدراتهم
• فرض مسارات محددة على الطفل.
• المقارنة المستمرة مع الآخرين.
• ربط النجاح بالدرجات فقط.
• الخوف من التجربة والفشل.

هذه الممارسات تحد من ثقة الطفل بنفسه وقدرته على الابتكار.


* وما دور المدرسة في هذا السياق؟

المدرسة شريك أساسي للأسرة. يجب أن تتحول من التلقين إلى التحفيز، ومن الحفظ إلى التفكير النقدي. المعلم اليوم ليس ناقل معلومة فحسب، بل موجه ومُلهم، والتعليم القائم على المشاريع والتجربة هو الطريق الصحيح.


* كيف ترون تأثير التكنولوجيا على الإبداع؟

التكنولوجيا سلاح ذو حدين فهي أداة قوية، ويمكن أن تكون محفزة إذا استُخدمت بشكل واعٍ، لقضاء المزيد من الوقت ، لكن الاستخدام السلبي والمفرط قد يضعف الخيال والتفكير العميق لذلك لابد من التوازن وهو الحل. الامثلى وبالتالي المشاركة في أنشطة إبداعية في الهواء الطلق أو بناء الأشياء بأيديهم لاستخدام التكنولوجيا يكون ظاهرة صحية


* وأخيرًا، ما رسالتكم لكل أسرة عربية؟

أبناؤكم ليسوا نسخًا منكم، بل مشاريع مستقبل. امنحوهم الحرية، ادعموهم، وكونوا شركاء في اكتشاف قدراتهم. الإبداع يحتاج إلى بيئة تحترم الفكرة أكثر من الإمكانيات المادية.


* كيف ترون مستقبل الإبداع في العالم العربي؟

أنا متفائل جدًا. لدينا جيل واعٍ وطموح، وإذا توفرت البيئة المناسبة، سنشهد إبداعات عربية تنافس عالميًا. المستقبل سيكون لمن يملك الفكرة والقدرة على تنفيذها، وليس فقط لمن يملك الموارد.


* في الختام

الإبداع، كما يرى الدكتور محمد بن عيد السريحي، ليس ترفًا أو موهبة عابرة، بل هي ثقافة و لغة المستقبل التي يجب أن تبدأ في الأسرة، وتزدهر في المدرسة، وتجد الدعم في المؤسسات والمجتمع. وبين الطفل والفكرة، تُبنى ملامح مستقبل عربي أكثر وعيًا، قدرة على الابتكار، وصناعة الفرق في عصر اقتصاد المعرفة

Image description
Image description
Image description