الأستاذة ابتسام الإسماعيني تكشف: المشاكل الأسرية بين الواقع والقانون… كيف تحمي القوانين حقوق جميع الأطراف؟
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير فيه القيم الاجتماعية بشكل لافت، لم تعد الأسرة ذلك الكيان البسيط الذي تحكمه الأعراف والتقاليد فقط، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها التحديات النفسية والاقتصادية والقانونية. ومع تصاعد الضغوط اليومية، باتت الخلافات الأسرية أكثر تعقيدًا، تتجاوز حدود النقاش العابر لتصل في كثير من الأحيان إلى أروقة المحاكم، حيث تُطرح قضايا الطلاق، الحضانة، النفقة، والعنف الأسري كعناوين بارزة تعكس واقعًا يحتاج إلى قراءة عميقة ومعالجة متوازنة.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز دور القانون كأداة لضبط العلاقات داخل الأسرة، وحماية حقوق جميع الأطراف، خاصة الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والنساء. غير أن اللجوء إلى القانون لا يكون دائمًا الحل الأمثل، إذ يظل التفاهم والحوار الأسري الركيزة الأساسية لبناء أسرة مستقرة.
ومن هنا، يأتي هذا الحوار الذي أجرته موقع ومجلة "لكل الأسرة" مع الأستاذة ابتسام الإسماعيني، المحامية المتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية، والتي تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع أدق تفاصيل النزاعات الأسرية. في هذا اللقاء، تفتح لنا الأستاذة ابتسام الإسماعيني نافذة على واقع القضايا الأسرية، وتكشف أبرز أسبابها، وآليات التعامل معها قانونيًا، كما تقدم رؤى مهمة حول سبل الوقاية والتوعية، والدور الذي يمكن أن يلعبه كل فرد في الحفاظ على تماسك الأسرة بعيدًا عن التصعيد القضائي.
حوارٌ ثريّ، يجمع بين الخبرة القانونية والقراءة الإنسانية، ويضع بين أيدينا إجابات صريحة عن تساؤلات تؤرق الكثير من الأسر في مجتمعاتنا اليوم..
* بدايةً، ما أبرز أنواع المشاكل الأسرية التي تصل إلى المحاكم؟
أكثر القضايا شيوعًا هي الطلاق وما يتبعه من نزاعات حول النفقة والحضانة والرؤية. كما نلاحظ تزايد قضايا العنف الأسري والخلافات المالية بين الزوجين، إلى جانب بعض القضايا المرتبطة بالإهمال أو عدم تحمل المسؤولية الأسرية.
* من خلال خبرتك، ما الأسباب الرئيسية لتفاقم النزاعات داخل الأسرة؟
تتعدد الأسباب، لكن في مقدمتها ضعف الوعي القانوني والحقوقي، وسوء التواصل بين الزوجين. كذلك تلعب الضغوط الاقتصادية والتدخلات الخارجية من الأهل دورًا كبيرًا في تعقيد الخلافات وتحويلها إلى نزاعات قانونية.
* كيف ينظر القانون إلى قضايا العنف الأسري؟ وما الإجراءات المتاحة لحماية الضحايا؟
القانون يتعامل بجدية مع قضايا العنف الأسري، حيث يوفّر آليات لحماية الضحية مثل أوامر الحماية، وإمكانية التبليغ الفوري، وفرض عقوبات على المعتدي. الهدف الأساسي هو ضمان سلامة أفراد الأسرة، خاصة النساء والأطفال.
* في حالات الطلاق، كيف يتم تحديد حقوق الزوجة والأبناء؟
يتم تحديد الحقوق بناءً على عدة عوامل، منها دخل الزوج، واحتياجات الأطفال، وظروف الحضانة. تشمل هذه الحقوق النفقة، والسكن، والتعليم، والرعاية الصحية، مع مراعاة مصلحة الطفل كأولوية قصوى.
* هل هناك آليات قانونية بديلة لحل النزاعات الأسرية بعيدًا عن المحاكم؟
نعم، هناك الوساطة الأسرية ومراكز الإصلاح التي تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف. في كثير من الحالات، تنجح هذه الوسائل في حل النزاعات بشكل ودي دون الحاجة إلى إجراءات قضائية مطولة.
* ما الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأزواج عند حدوث خلافات قانونية؟
من أبرز الأخطاء التسرع في اتخاذ قرارات مصيرية مثل الطلاق، أو اللجوء إلى التصعيد بدل الحوار. كذلك، يعتمد البعض على معلومات غير دقيقة أو نصائح غير قانونية، مما يضر بمصالحهم.
* كيف يمكن التوازن بين الحفاظ على كيان الأسرة وضمان حقوق الأفراد؟
التوازن يتحقق من خلال الوعي والاحترام المتبادل، إلى جانب وجود قوانين عادلة تُطبّق بحزم. الهدف ليس فقط حل النزاع، بل حماية الأسرة ككيان، مع عدم التنازل عن حقوق أي طرف.
* ما دور التوعية القانونية في الحد من المشاكل الأسرية؟
التوعية القانونية تلعب دورًا محوريًا، فهي تساعد الأفراد على فهم حقوقهم وواجباتهم، مما يقلل من النزاعات ويعزز ثقافة الحوار بدلاً من اللجوء إلى القضاء.
* ما النصائح التي تقدمينها للأزواج قبل اللجوء إلى القضاء؟
أنصح بمحاولة الحوار الهادئ، والاستعانة بأشخاص مختصين في الإصلاح الأسري، وعدم اتخاذ قرارات تحت تأثير الغضب. القضاء هو الحل الأخير وليس الأول.
* أخيرًا، كيف ترين مستقبل القوانين الأسرية في ظل التغيرات الاجتماعية؟
القوانين الأسرية في تطور مستمر لتواكب التغيرات الاجتماعية، وهناك توجه نحو تعزيز حماية حقوق جميع أفراد الأسرة، خاصة الأطفال والنساء، مع دعم الحلول الودية وتقليل النزاعات القضائية.
* في الختام
يبقى الوعي القانوني والحوار الأسري حجر الأساس في الحد من النزاعات داخل الأسرة. وكما أكدت الأستاذة ابتسام الإسماعيني، فإن القانون وُجد لحماية الحقوق، لكنه لا يغني عن التفاهم الذي يشكّل الدعامة الحقيقية لاستقرار الأسرة.