في زمنٍ تتشابك فيه التحديات القانونية مع الأزمات الاجتماعية، وتُختبر فيه إنسانية المجتمعات بمدى قدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة، تبرز شخصيات قانونية تحمل رسالتها بوعيٍ ومسؤولية. من بين هذه النماذج، تلمع المحامية أنديرا سمير الزهيري كصوتٍ مدافع عن العدالة، لا يكتفي بالنصوص بل يسعى إلى ترجمتها واقعًا ملموسًا.

في هذا الحوار الخاص مع موقع ومجلة لكل الأسرة، نقترب من مسيرتها المهنية الغنية، ونغوص في رؤيتها لواقع حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان، كاشفين أبرز التحديات والثغرات، ومسلّطين الضوء على الحلول الممكنة لبناء مجتمع أكثر إنصافًا ودمجًا.

1- بدايةً، نودّ أن نتعرّف عليكِ أكثر أستاذة؟

لطالما استهوتني القضايا الحقوقية والإنسانية منذ الصغر، ما دفعني إلى اختيار مهنة المحاماة كأداة للدفاع عن الحقوق وخدمة العدالة.

2- هل يمكنكِ أن تقدّمي لنا نبذة عن مسيرتكِ المهنية؟

اسمي أنديرا سمير الزهيري،
وأنا محامية بالاستئناف ولديّ مكتبي الخاص. أحمل شهادة ماجستير في المعلوماتية القانونية،
وشاركت في دورات تخصصية في مجالات متعددة، منها الوساطة والقانون الدولي الإنساني.
أنا عضو مؤسس وأمينة سر سابقة لنقابة مالكي الأبنية المؤجرة في لبنان،
وكذلك للمركز الدولي للملكية الفكرية والدراسات الحقوقية (ICIP).
لدي العديد من الدراسات والمنشورات، من بينها كتاب حول الإيجارات بين المالك والمستأجر،
كما ترشحت للانتخابات النيابية عام 2018.
أتولى حاليًا رئاسة الهيئة اللبنانية للعقارات، ورئاسة تجمع مالكي الأبنية المؤجرة في لبنان، إضافة إلى رئاسة فرع منظمة دولية أميركية في لبنان والشرق الأوسط (قيد التسجيل)، ورئاسة تحرير مجلة Opine Digest الإلكترونية.
شاركت في ورش عمل ومشاريع متعددة، لا سيما في مجالات حماية الأسرة، مكافحة العنف الأسري، تمكين المرأة في السياسة والاقتصاد، وإعادة تأهيل السجون.

3- ما الذي دفعكِ للاهتمام بالملفات الحقوقية وخصوصًا قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة؟

انطلق اهتمامي من شغفي العام بالقضايا الإنسانية، وتحديدًا من خلال القضايا المرتبطة بقوانين الإيجارات القديمة التي شكّلت عبئًا على المالكين القدامى، بهدف تحرير حقوقهم وملكيتهم الخاصة والفردية من التمديدات غير الدستورية ومصادرة حقهم المشروع والمكفول في الشرعات الدولية والدستور اللبناني.
كما أن عملي في مجال السلامة العامة وسلامة المباني عزّز لديّ الإحساس بالمسؤولية تجاه الفئات الأكثر ضعفًا، ومن ضمنها ذوو الاحتياجات الخاصة، ما دفعني إلى التعمّق في هذه القضايا والعمل على الدفاع عن حقوقهم.

وخاصةً تلك المرتبطة بالمباني المهددة بالسقوط نتيجة الحروب وتقادم الزمن، إضافةً إلى قوانين الإيجارات القديمة والمباني التراثية، حيث تبيّن لي الترابط المباشر بين هذه الملفات وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، ما دفعني إلى التوسع في هذا المجال والعمل على دعمه.

4- لماذا تختلف التسميات المستخدمة للإشارة إلى ذوي الإعاقة بين الدول؟

تتنوع التسميات المستخدمة للإشارة إلى ذوي الإعاقة من دولة إلى أخرى، مثل "ذوي الاحتياجات الخاصة" أو "أصحاب الإرادة الصلبة" أو "المعوق"، وهو تنوع يعكس الفوارق الثقافية والسياساتية والاجتماعية لكل مجتمع. وعلى الرغم من اختلاف الكلمات، يظل الهدف الأساسي واحدًا: الإشارة إلى أفراد لديهم ظروف أو تحديات خاصة تتطلب دعمًا وتفهمًا خاصين.
تلعب هذه التسميات دورًا كبيرًا في تشكيل صورة المجتمع تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فاختيار لغة تحترم كرامتهم ويعكس إنسانيتهم يعزز الوعي بحقوقهم ويشجع على دمجهم الكامل في المجتمع. بالمقابل، استخدام مصطلحات تحمل طابعًا سلبيًا أو وصمًا اجتماعيًا قد يؤدي إلى التمييز أو التهميش، ويعيق قدرتهم على المشاركة الكاملة في الحياة العامة.
من هنا، تأتي أهمية اعتماد لغة إنسانية ودقيقة، تُبرز قدرات هؤلاء الأفراد ولا تقلل من كرامتهم، كما تشجع على سياسات وممارسات تدعم اندماجهم في مختلف المجالات، لضمان حياة متساوية وكريمة لهم مثل باقي أفراد المجتمع.

5- كيف تقيّمين واقع حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان اليوم؟

يمكن القول إن هناك تطورًا نسبيًا، خاصة بعد إقرار القانون 220/2000 ومراسيمه التطبيقية، إلا أن التنفيذ لا يزال خجولًا ولا يرقى إلى مستوى الضمان الفعلي لحقوق هذه الفئة.

6- ما أبرز التحديات القانونية التي تواجه هذه الفئة؟

تتمثل أبرز التحديات في ضعف تطبيق القوانين، وغياب البنية التحتية المؤهلة، إضافةً إلى نقص في الآليات الرقابية التي تضمن احترام حقوقهم.

7- هل القوانين الحالية كافية؟

شكّل القانون 220/2000 خطوة أساسية، لكنه لا يزال بحاجة إلى تفعيل وتحديث، مع تعزيز آليات التنفيذ والمحاسبة.

8- إلى أي مدى تلتزم الدولة بالبنية التحتية المناسبة؟

لا يزال الالتزام محدودًا، حيث تفتقر العديد من المنشآت العامة والخاصة إلى الحد الأدنى من المعايير التي تضمن سهولة الوصول والتنقل، وهو ما يعيق دمج هذه الفئة في المجتمع.

9- ما أهمية توفير ممرات آمنة ومهيأة؟

إن هندسة البنية التحتية ليست مجرد جانب تقني، بل هي رسالة إنسانية تعكس احترام حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وتساهم بشكل مباشر في دمجهم في المجتمع.

10- من المسؤول قانونيًا عن ضعف التسهيلات؟

المسؤولية مشتركة بين الدولة، ممثلةً بوزارة الشؤون الاجتماعية، والبلديات، إضافةً إلى القطاع الخاص، حيث يلعب كل طرف دورًا أساسيًا ضمن نطاق اختصاصه، سواء على الصعيد الحقوقي أو الهندسي أو حتى من خلال الجهات المانحة.

11- هل توجد آليات رقابة فعّالة؟

للأسف، لا تزال الرقابة غير كافية، وتحتاج إلى تفعيل حقيقي لضمان تطبيق المعايير المطلوبة.

12- كيف يمكن تعزيز دمجهم في سوق العمل؟

يمكن ذلك من خلال تفعيل القانون 220/2000 ومراسيمه التطبيقية المتعلقة بالتوظيف، وتأمين بيئة عمل ملائمة، إلى جانب تقديم حوافز للقطاع الخاص تشجّع على توظيفهم ودعمهم في مسيرتهم المهنية.

13- هل يتم تطبيق قوانين التوظيف فعليًا؟

لا يزال التطبيق محدودًا، وهناك فجوة واضحة بين النص القانوني والواقع العملي.

14- ما دور القطاع الخاص؟

يلعب القطاع الخاص دورًا أساسيًا في خلق فرص عمل مناسبة، والمساهمة في تحقيق الدمج الفعلي لهذه الفئة في المجتمع.

15- كيف يؤثر غياب التسهيلات في أماكن العمل؟

يؤدي ذلك إلى تقليص فرصهم المهنية، ويحدّ من قدرتهم على الإنتاج والمشاركة الفعالة.

16- ما أبرز الحقوق التي يتم انتهاكها؟

تشمل أبرز الحقوق المنتهكة: حق التنقل، والعمل، والتعليم، والمشاركة في الحياة العامة.

17- كيف يمكنهم الدفاع عن حقوقهم قانونيًا؟

من خلال اللجوء إلى القضاء، والاستفادة من القوانين الموجودة، إضافةً إلى دعم الجمعيات الحقوقية.

18- ما أبرز الثغرات القانونية؟

تتمثل الثغرات في غياب التطبيق الفعلي للقوانين، خصوصًا مراسيمها التطبيقية، وضعف الرقابة، والحاجة إلى تحديث بعض النصوص بما يتلاءم مع المعايير الدولية، لا سيما في ظل ما شهدناه من دمار وانهيار في البنية التحتية نتيجة الحروب، حيث تغيب الممرات الآمنة والمعايير التي تراعي أوضاع ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى ضعف تطبيق مبدأ تخصيص فرص (كوتا) لهم في الوظائف.

19- ما دور المجتمع؟

للمجتمع دور محوري في دعم هذه الفئة وتعزيز دمجها، من خلال نشر الوعي والتضامن، بدءًا من المؤسسات التعليمية وصولًا إلى وسائل الإعلام، عبر التوعية والتوجيه، وتقديم الدعم النفسي واللوجستي.

20- هل المشكلة قانونية فقط؟

ليست قانونية فقط، بل هناك جانب ثقافي وتوعوي مهم جدًا لا يمكن إغفاله.

21- كيف يمكن تغيير النظرة النمطية؟

من خلال نشر ثقافة احترام حقوقهم، وتسليط الضوء على قدراتهم وإمكاناتهم بدل التركيز على التحديات التي يواجهونها.

22- ما أبرز الخطوات المطلوبة فورًا؟

إعادة هيكلة البنى التحتية، وتطبيق القوانين بفعالية، وتعزيز الرقابة، ودعم البرامج التوعوية، إضافةً إلى ضرورة إدماج معايير الوصول الشامل في خطط إعادة الإعمار، عبر تخصيص ممرات آمنة وميسّرة لتسهيل تنقلهم.
إلا أنه، وفي ظل الظروف الحالية، قد تواجه هذه الخطوات تحديات عديدة تتطلب وقتًا وجهدًا لتخطيها.

23- ما رسالتكِ

من الضروري الالتزام الجدي بتطبيق القوانين والعمل على تطوير السياسات بما يضمن كرامة وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، بما في ذلك قانون 220/2000، ووضع خطط غير تقليدية لهندسة البنى التحتية بما يتوافق مع تأمين الممرات على الأرصفة والحدائق والأماكن العامة، وتسهيل تنقلهم إلى مراكز ممارسة حقوقهم الانتخابية والإدارية الرسمية.
كما أن تأمين حاجاتهم من قِبل وزارة الشؤون الاجتماعية من بعض الرسوم والضرائب ليس كافيًا، بل هناك أمور أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار على نطاق أوسع، لا سيما فيما يتعلق بالبنى التحتية والمنشآت العامة.

24- ماذا تقولون لذوي الاحتياجات الخاصة وعائلاتهم؟

أؤكد لهم أن حقوقهم مشروعة وليست منة من أحد، فهذا حق إنساني ووطنِي، وأن عليهم أن يواصلوا تعلم النضال والمطالبة بحقوقهم، مع العلم أن هناك العديد من الجهات التي تدعم قضيتهم وتعمل على حماية حقوقهم، لذا من الضروري التمسك بالمطالبة المستمرة لضمان تطبيق هذه الحقوق بشكل كامل وعادل.

25- كلمة أخيرة

أحيانًا نبدأ العمل على قضية محددة، فنجد أنفسنا أمام شبكة مترابطة من القضايا المرتبطة بها، وهكذا تتسع مسيرة النضال من أجل تحقيق العدالة لتشمل ملفات متعددة، جميعها تصب في هدف واحد: التطوير، الدمج، وبناء مجتمع أكثر إنصافًا.
كما أتوجه بالشكر لحضراتكم على دعمكم للقضايا الإنسانية وحقوق الأسر، وعلى اهتمامكم بالمساهمة في إحداث تغيير إيجابي حقيقي.