في زمن تتسارع فيه التحولات البيئية والتكنولوجية، وتشتد فيه المنافسة بين الرؤى التنموية التقليدية والمستقبلية، تبرز أصوات فكرية وعلمية قادرة على رسم معالم جديدة لفهم الطاقة بوصفها قضية إنسانية قبل أن تكون اقتصادية. من بين هذه الأصوات، تلمع بشغف واضح ونظرة استراتيجية متميزة، الدكتورة جميلة مرابط، الباحثة والخبيرة في استراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية.

تحتل الدكتورة مرابط مساحة فكرية متقدمة في الساحة العلمية والمهنية، إذ تمتد كتاباتها ومداخلاتها إلى معالجة قضايا العدالة الطاقية، والربط بين التكنولوجيا والتنمية، والطاقة الذكية كأداة استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وقد جسدت هذه الرؤية عند مشاركتها الأخيرة في الدورة العالمية لمؤتمر الشباب حول أهداف التنمية المستدامة (UN GYCS25)?، حيث قدمت مداخلة بعنوان «الطاقة الذكية للجميع»، ركزت فيها على كيف يمكن للذكاء الطاقي وتعاون جنوب-جنوب أن يعزّزا تحقيق الهدف السابع من أهداف الأمم المتحدة أساسًا للعدالة والمساواة في قطاع الطاقة.

إلى جانب ذلك، تُعد الدكتورة مرابط من بين الأصوات التي تُستشهد بها في التحليلات المتعلقة بمسار التحول الطاقي في المغرب، بما في ذلك الصياغات القانونية والتحليلية للسياسات المعتمدة، وتسليط الضوء على الأهداف الطموحة في توسيع مصادر الطاقة المتجددة، وضرورة تضمين مقاربات العدالة المجالية في هذا الإطار.

في هذا الحوار الشامل والحصري مع موقع ومجلة «لكل الأسرة»، نفتح معها آفاق النقاش حول جدلية الطاقة كأحد الحقوق الأساسية، وتحديات الانتقال الطاقي في العالم والعالم العربي، ودور التكنولوجيا في تحقيق تنمية مستدامة عادلة، إضافة إلى رؤاها المستقبلية حول السياسات الوطنية والإقليمية الرائدة في هذا المضمار.

* دكتورة جميلة، بدايةً نود أن نعرفك لقارئي مجلة 'كل الأسرة' بشكل شخصي ومهني: من هي جميلة مرابط وما الذي قادك إلى مجال استراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية؟

• جميلة مرابط، دكتورة في القانون العام ومتخصصة في استراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية. أؤمن بأن الطاقة تُشكل العمود الفقري لأي تنمية حضرية، ولا يمكن تصور أي مسار تنموي دونها، لما لها من ارتباط مباشر بالاقتصاد والاستقرار والعدالة الاجتماعية.

توجهي نحو هذا المجال لم يكن وليد الصدفة، بل هو امتداد لمسار علمي وبحثي بدأ منذ السنوات الأولى للدراسات العليا المعمقة بكلية الحقوق بفاس، في تقاطع قضايا البيئة والتنمية. وقد تعزز هذا المسار من خلال إنجاز أطروحة دكتوراه أكاديمية حول قضايا الطاقة وتداعيات التحول الطاقي، والتي تحولت لاحقًا إلى مؤلف علمي معتمد لدى عدد من الجامعات والمراكز البحثية خارج المغرب.

استمراري في البحث العلمي مكنني من تطوير اشتغالي على تقاطعات الطاقة والتكنولوجيا والسياسات، وصياغة مفهوم “الذكاء الطاقي النسقي”، الذي أعمل على تنزيله وتطويره ضمن مقاربة تسعى إلى تحقيق عدالة طاقية أكثر شمولًا واستدامة.

* دكتورة جميلة، عرفناكِ في الصحافة والبرامج الدولية كخبيرة في سياسات الطاقة والاستدامة البيئية. في البداية، كيف تصفين دور الطاقة في العقد الحالي، وهل يمكننا اعتبارها حقًا من حقوق الإنسان؟

• بالطبع. إنّ موضوع الطاقة لم يعد قضية فنية أو تقنية فقط، بل حق أساسي يرتبط بالكرامة الإنسانية والتنمية الشاملة. في مداخلتي في مؤتمر UN?GYCS25 تحدثت عن أن الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة لا يقتصر على الوصول إلى الطاقة، بل على ضمان حصول الجميع عليها بشكل موثوق ومستدام وبأسعار معقولة. وهذا يعني أن الطاقة اليوم تُمكّن المرأة في المناطق الريفية، وتدعم الصحة والتعليم، وتعمل كرافعة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والبيئية.

* ذكرتِ في مؤتمر «الطاقة الذكية للجميع» أهمية ما سمّيتيه «الذكاء الطاقي النسقي». ما المقصود بهذا المصطلح وكيف يمكن أن يساهم في الانتقال الطاقي؟

• مفهوم «الذكاء الطاقي النسقي» يتجاوز الكفاءة التقنية ليُصبح إطارًا يعالج البيانات والمعلومات ضمن شبكة مترابطة تشمل البنية التحتية، والسلوك الاستهلاكي، والسياسات الاجتماعية والبيئية. إنه ليس مجرد برنامج ذكي، بل أداة تُمكّن صناع القرار من قراءة الأنماط بدقة، والاستجابة للأزمات قبل وقوعها، وتحقيق العدالة في توزيع الطاقة. تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وBig Data تُستخدم هنا بصورة استراتيجية، لا فقط لتحسين الأداء، بل للفهم العميق لروابط الطاقة بالمجتمع والسياسة والبيئة معًا.

* في سياق التحول الطاقي، كيف ترين واقع السياسات الطاقية في المغرب، خصوصًا من زاوية العدالة المجالية؟

• إن موضوع التحول الطاقي في المغرب يحمل طموحات واضحة في تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتوسيع استخدام الطاقة المتجددة. ومع ذلك، من الضروري أن تُرفق هذه السياسات بمقاربة صريحة للعدالة المجالية لضمان أن لا يبقى الفارق بين المناطق الحضرية والريفية، أو بين الفئات الاجتماعية، قائمًا أو متسعًا. السياسات الفعّالة يجب أن لا تستهدف فقط الأرقام التقنية، بل تدمج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لضمان توزيع عادل للمنفعة الطاقية.

* لو طُلب منكِ تلخيص رؤيتك في ثلاث نقاط أساسية لصياغة سياسات طاقية فعّالة وعادلة، ماذا ستكون؟

• الطاقة حق إنساني يجب إدراجه صراحة في السياسات الوطنية كعنصر لتمكين الإنسان والمجتمع.

• توظيف التكنولوجيا بوعي كهامش لتحسين العدالة والحوكمة، وليس كهدف بحد ذاته.

• العدالة المجالية والاجتماعية لابد أن تكون في صلب أي استراتيجية طاقية، وذلك لضمان أن فوائد الانتقال للطاقة نظيفة ومتجددة والذكاء الطاقي تُعمّم على الجميع.

* ما هي الرسالة التي تحبين أن تتركيها لصناع القرار والشباب الطموح في هذا المجال؟

• الرسالة بسيطة لكن جوهرية: الطاقة ليست فقط بُنية تحتية؛ إنها مستقبل مجتمع قائم على العدالة والازدهار المشترك. للشباب أقول: انخرطوا في سياسات الطاقة، تعلموا عن الربط بين التقنية والمجتمع، وكونوا جزءًا من الحلول التي تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس.

* في الختام

إن الحديث مع الدكتورة جميلة مرابط يقدم رؤية عميقة تعيد تركيب مفهوم الطاقة من كونه موردًا تقنيًا محايدًا، إلى ركيزة جوهرية لتحقيق العدالة والتنمية الشاملة. رؤيتها تُلقي الضوء على ضرورة إدماج التكنولوجيا بالسياسات الذكية التي تُشرّع الباب أمام طاقات جديدة لأجل مجتمع أكثر عدلاً واستدامة.