الصلح الجنائي بين روح العدالة وفعالية القضاء: قراءة معمقة مع الأستاذة ابتسام الإسماعيني
في ظل التحولات التي يعرفها النظام القضائي، برزت مسطرة الصلح الجنائي كخيار استراتيجي يهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية حقوق الأفراد وضمان فعالية العدالة. ولم يعد الهدف من العدالة الجنائية يقتصر على العقاب، بل أصبح يتجه نحو تحقيق الإنصاف وجبر الضرر وإعادة التوازن داخل المجتمع. وفي هذا السياق، أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية تدعو إلى تفعيل مسطرة الصلح كبديل عن الدعوى العمومية، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول أبعاد هذا التوجه، وحدوده، وآثاره على المواطن.
لمقاربة هذا الموضوع من مختلف جوانبه . موقع لكل الأسرة ، يحاور الأستاذة ابتسام الإسماعيني، للوقوف على فلسفة هذا التوجه القانوني وأهميته العملية.
* بداية، ما المقصود بمسطرة الصلح في المادة الجنائية؟
• مـسطرة الصلح هي آلية قانونية تسمح بحل بعض القضايا الجنائية بشكل ودي بين الأطراف، أي بين الضحية والمشتبه فيه، دون الحاجة إلى اللجوء إلى المحاكمة. يتم ذلك عبر اتفاق يتضمن غالبًا تعويض الضرر أو أداء غرامة، مما يؤدي إلى إنهاء المتابعة في إطار يحفظ حقوق الجميع.
* لماذا أصبح الصلح يحظى بكل هذه الأهمية في السياسة الجنائية؟
• لأن العدالة الحديثة لم تعد تركز فقط على العقوبة، بل على تحقيق العدالة التصالحية. الصلح يساهم في تقليل عدد القضايا أمام المحاكم، وتسريع البت فيها، كما يمنح الضحية فرصة للحصول على حقه بسرعة، بدل انتظار مساطر طويلة.
* كيف يمكن أن يستفيد المواطن العادي من هذه المسطرة؟
• المواطن يمكنه الاستفادة من الصلح في القضايا البسيطة، مثل بعض الجنح التي لا تشكل خطورة كبيرة. هذه المسطرة تمكنه من إنهاء النزاع بسرعة، وتفادي تبعات المحاكمة، سواء من حيث الوقت أو التكاليف أو الآثار النفسية.
* ما هي الشروط التي يجب توفرها لتفعيل الصلح؟
• يجب أن تكون القضية من النوع الذي يسمح فيه القانون بالصلح، وأن يكون هناك اتفاق بين الأطراف، بالإضافة إلى احترام الضوابط القانونية، مثل تحديد قيمة الغرامة أو التعويض، والتي لا يجب أن تتجاوز سقفًا معينًا.
* ما الجديد الذي جاءت به الدورية الأخيرة لرئاسة النيابة العامة؟
• الدورية أكدت على ضرورة إعطاء الأولوية للصلح، وشجعت على تفعيل الوساطة بين الأطراف، كما جاءت بتبسيط الإجراءات، حيث لم يعد من الضروري عرض الصلح على المحكمة للمصادقة، بل يصبح نافذًا بمجرد تحرير محضر وتنفيذ الالتزامات.
* هل يمكن اعتبار الصلح بديلاً كاملاً عن القضاء؟
• لا، الصلح ليس بديلاً مطلقًا، بل هو آلية موازية تُستخدم في حالات محددة. القضايا الخطيرة تبقى من اختصاص القضاء، ولا يمكن حلها بالصلح، حفاظًا على النظام العام.
* كيف ترون تأثير هذه المسطرة على ثقة المواطن في العدالة؟
• إذا طُبقت بشكل سليم، فإنها تعزز ثقة المواطن في العدالة، لأنها تقدم حلولًا سريعة وعادلة، وتُشعر الأطراف بأن حقوقهم مصونة دون تعقيد.
* هل هناك تحديات قد تعيق نجاح هذه المسطرة؟
• نعم، من أبرز التحديات ضعف الوعي القانوني لدى بعض المواطنين، وتردد بعض الجهات في تطبيقها، بالإضافة إلى الحاجة لتكوين مستمر للفاعلين في المجال القضائي لضمان حسن تنزيلها.
* ما رسالتكم للمواطن بخصوص هذا الموضوع؟
• أنصح المواطنين بالتعرف على حقوقهم، وعدم التردد في اللجوء إلى الصلح عندما يكون ذلك ممكنًا، لأنه حل عملي وسريع يحقق المصلحة للجميع.
* في الختام
يؤكد هذا الحوار أن مسطرة الصلح ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي تحول في فلسفة العدالة نحو مقاربة أكثر إنسانية وفعالية. وبين رهانات التطبيق وتحديات الواقع، يبقى وعي المواطن وتعاون مختلف الفاعلين عنصرين أساسيين لإنجاح هذا الورش الإصلاحي، الذي يسعى إلى تحقيق عدالة أقرب إلى المواطن وأكثر استجابة لانتظاراته.