صوت شعري يواجه “قانون الغابة” ويعيد الاعتبار للموهبة والإنسان

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتبدل فيه موازين القيم، يعود الشعر ليؤدي دوره القديم: قول الحقيقة بصوتٍ واضح. وفي هذا السياق يبرز اسم الشاعر خالد فولان الذي اختار أن يعبّر عن هموم الناس بلغةٍ قريبة من الشارع، صادقة في إحساسها وقوية في رسالتها.

قصيدته “باك صاحبي” ليست مجرد نصٍ شعري عابر، بل صرخة اجتماعية تحمل نقداً لواقعٍ بات مألوفاً في كثير من المجتمعات، حيث تتحكم العلاقات الشخصية والوساطات في الفرص والمكانة، بينما يجد أصحاب الكفاءة أنفسهم على الهامش
.
منذ السطور الأولى، يضع الشاعر القارئ أمام مواجهة مباشرة مع هذا الواقع، حيث تتحول عبارة “باك صاحبي” إلى رمزٍ لثقافة كاملة قائمة على النفوذ والمعرفة الشخصية، لا على الجهد أو الاستحقاق.

* الشعر مرآة المجتمع

لطالما كان الشعر مرآةً تعكس نبض المجتمع، والشاعر الحقيقي هو من يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ويحوّلها إلى كلمات تحمل معنى أعمق. وهذا ما يفعله الشاعر خالد فولان في هذه القصيدة، إذ يرسم صورة واقعية لمجتمعٍ تتداخل فيه المصالح وتضيع فيه أحياناً قيمة العمل والموهبة.

فالقصيدة تنطلق من إحساس بالمرارة تجاه واقعٍ يرى فيه الشاعر أن كل شيء أصبح قابلاً للبيع، وأن القوانين غير المكتوبة – التي يسميها “قانون الغابة” – باتت تحكم العلاقات بين الناس.

وفي هذا السياق يقول:

• باك صاحبي

ما بقى ما نضرك
ولا نخبي
مازال باك صاحبي
يا انسان
كلشي يتباع
وكلشي صار ليه
ثمن
وبابا يا بابا
كثروا علينا النصابة
طبقوا علينا قانون
الغابة
صرنا حنا الغنم وصارو
هما الكسابة

في هذا المقطع، يستخدم الشاعر صوراً بسيطة لكنها مؤثرة، حيث يشبّه المجتمع بقطيعٍ من الغنم يقوده “الكسابة”، في إشارة إلى من يملكون النفوذ ويتحكمون في مسار الأمور.

* “باك صاحبي”… العملة الجديدة

تمضي القصيدة لتكشف كيف تحولت العلاقات الشخصية إلى ما يشبه العملة الاجتماعية، التي تحدد من ينجح ومن يُقصى. فالموهبة وحدها لم تعد كافية، والعمل الجاد قد لا يفتح الأبواب إذا لم يكن مدعوماً بمعرفة أو علاقة.

ويعبّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:

• باك صاحبي
صارت عملة في
التيران
والا ما عندك معرفة
بعد من الساحة وخوي
التيران
هذا التصوير يكشف عن واقعٍ يعيشه كثير من الشباب، خاصة في مجالات الفن والإبداع والعمل العام، حيث تصبح المنافسة غير متكافئة بين من يملك العلاقات ومن يعتمد فقط على جهده.

* حلم مؤجل وقلق دائم

في جانب آخر من القصيدة، يظهر البعد الإنساني للنص، حيث يتحدث الشاعر عن الأحلام التي لم تتحقق، وعن القلق الذي يرافق الإنسان عندما يرى جهده يتلاشى أمام قوة العلاقات والنفوذ.

• باك صاحبي

كلشي بيها يتغنى
والا ماكنتي معاهم
ومنهم
بلا ما تبقى واقف
وتتسنى
حلمت بزاف وشحال
كنت نتمنى
الخاطر ما ارتاح والبالغ
عمرو ما يتهنى

هذه الكلمات تحمل إحساساً صادقاً بالإحباط، لكنها في الوقت ذاته تعبّر عن تجربة مشتركة يعيشها كثير من الشباب الذين يحاولون شق طريقهم في عالمٍ معقد.

* الفن بين الموهبة والإقصاء

من أبرز القضايا التي تطرحها القصيدة مسألة العدالة في المجال الفني. فالشاعر يشير إلى أن الفنان قد يكون موهوباً، لكن موهبته لا تكفي إذا لم يكن جزءاً من الدائرة الاجتماعية المؤثرة.

• ومازال باك صاحبي
حاكمة المكان
الجهد فوق منك يا
داك الإنسان
وخا فنان ماليك
ثمن

هنا يتحول النص إلى دفاع عن قيمة الفن الحقيقي، وإلى احتجاج ضد الإقصاء الذي قد يواجهه المبدعون عندما تصبح العلاقات أهم من الإبداع نفسه.
الإيمان كخاتمة للأمل
ورغم النبرة النقدية القوية التي تسود القصيدة، فإن الشاعر يختتم نصّه بإشارة إيمانية تمنح العمل بعداً روحياً. فبعد كل ما يصفه من ظلم أو إقصاء، يذكّر بأن الرزق بيد الله، وأن العدالة الحقيقية لا تضيع.

• باك صاحبي
اشنو الفرق بينك انت
وانا
هداك فنان
ومعانا
وانت وخا فنان
ما عندي ليك
كانة
وما جيتي على هوانا
شكيت بيكم الله
خالقنا
ضامن رزقنا وعمرو
ما ينسانا.
هذه الخاتمة تعكس رؤية متوازنة تجمع بين النقد الاجتماعي والإيمان بأن العدالة النهائية ليست بيد البشر.

* شاعر يكتب بلسان الناس

بهذه القصيدة، يثبت الشاعر خالد فولان أن الشعر ما زال قادراً على أن يكون صوتاً للناس، وأن القصيدة ليست فقط مساحة للجمال اللغوي، بل أيضاً وسيلة لطرح الأسئلة ومواجهة الواقع.
إن “باك صاحبي” ليست مجرد كلمات، بل شهادة شعرية على مرحلة اجتماعية يعيشها كثيرون. وهي في الوقت ذاته دعوة للتفكير في قيم العدالة والفرص المتكافئة، وفي أهمية أن يبقى الإبداع والجهد هما الطريق الحقيقي للاعتراف والنجاح.
وفي النهاية، يظل الشعر ، كما يبرهن هذا النص ، واحداً من أكثر الفنون قدرةً على التعبير عن وجع الإنسان وأمله في آنٍ واحد.