تحقيق استقصائي حول شبكات السماسرة بين ضعف الرقابة وغضب الشارع

في كل صباح، يتجه آلاف المغاربة إلى الأسواق حاملين نفس الهمّ: ارتفاع الأسعار. الخضر، اللحوم، الأسماك، وحتى المنتجات الأساسية أصبحت تُباع بأسعار تتغير بسرعة، غالبًا دون تفسير واضح.

لكن خلف هذه الفوضى السعرية، يبرز اسم يتكرر في أحاديث الناس والمهنيين والخبراء: “الشناقة”.

في الثقافة الشعبية المغربية، لم يعد الشناق مجرد وسيط تجاري بسيط، بل أصبح في نظر كثيرين لاعبًا قويًا داخل الاقتصاد غير المنظم، يملك القدرة على التحكم في العرض والطلب وفرض أسعار تفوق أحيانًا قدرة المواطن على التحمل.

فكيف تحولت هذه الفئة من وسطاء عاديين إلى قوة اقتصادية مؤثرة داخل الأسواق؟

ومن يمنحهم هذه السلطة؟

وهل يقف القانون المغربي عاجزًا أمام هذه الظاهرة؟

هذا التحقيق يحاول كشف خيوط واحدة من أكثر الظواهر الاقتصادية إثارة للجدل في المغرب.

* من الوساطة إلى المضاربة… كيف نشأت ظاهرة الشناقة؟

في الأصل، الوساطة التجارية ليست جريمة. في كل اقتصادات العالم، هناك وسطاء يسهلون انتقال السلع من المنتج إلى المستهلك.

لكن في المغرب، ومع ضعف تنظيم الأسواق التقليدية، تحولت الوساطة في بعض القطاعات إلى نظام معقد من المضاربة والسماسرة.

في العديد من أسواق الجملة، لا ينتقل المنتج مباشرة من الفلاح أو الصياد إلى التاجر، بل يمر عبر عدة حلقات من الوسطاء، ما يؤدي إلى تضخم السعر النهائي.
المسار قد يكون كالتالي:

• منتج → سمسار → تاجر جملة → وسيط ثانٍ → تاجر تقسيط → مستهلك

وفي كل مرحلة يُضاف هامش ربح جديد، حتى يصل السعر إلى المستهلك مضاعفًا عدة مرات.

* داخل الأسواق… كيف يتحكم الشناقة في الأسعار؟

1. شراء الإنتاج مبكرًا

يقوم بعض الشناقة بشراء كميات كبيرة من المنتجات مباشرة من الفلاحين قبل وصولها إلى السوق.

يحدث ذلك غالبًا بأسعار منخفضة، خاصة عندما يكون الفلاح في حاجة إلى السيولة.

2. تخزين السلع وخلق ندرة مصطنعة

بعد شراء السلع، يمكن لبعض الوسطاء:
• تخزينها في مخازن خاصة
• تأخير طرحها في السوق
• بيعها تدريجيًا بأسعار أعلى

هذه الممارسة تُعرف اقتصاديًا باسم المضاربة في السلع.

3. التحكم في أسواق الجملة

في بعض الأسواق الكبرى، يشتكي تجار وتقنيون من وجود شبكات من الوسطاء تتحكم في حركة البيع والشراء.

• ويقول أحد التجار (رفض ذكر اسمه):
“إذا أردت شراء كمية كبيرة من السلع، غالبًا يجب أن تمر عبر سمسار معين، وإلا ستجد صعوبة في الحصول عليها.”

* موسم الأزمات… حين يزدهر الشناقة

تظهر قوة المضاربين بشكل أكبر في الفترات الحساسة، مثل:

• شهر رمضان
• موسم عيد الأضحى
• فترات نقص الإنتاج

في هذه الفترات يرتفع الطلب بشكل كبير، ما يفتح الباب أمام المضاربات.

وقد شهدت أسعار الأضاحي في السنوات الأخيرة ارتفاعات كبيرة، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول دور الوسطاء في تضخيم الأسعار.

* القانون المغربي… هل يجرّم الشناقة؟

القانون المغربي لا يجرّم الوساطة التجارية في حد ذاتها.

لكن هناك قوانين تمنع بعض الممارسات المرتبطة بها، مثل:

• الاحتكار

القوانين المتعلقة بحرية الأسعار والمنافسة تمنع أي اتفاق أو ممارسة تهدف إلى احتكار السوق.

• التلاعب بالأسعار

أي تواطؤ بين التجار لرفع الأسعار بشكل مصطنع يمكن أن يعتبر مخالفة قانونية.

• دور مجلس المنافسة

توجد مؤسسة رسمية مكلفة بمراقبة المنافسة داخل السوق، وهي مجلس المنافسة، التي يمكنها التحقيق في ممارسات الاحتكار أو التواطؤ بين الفاعلين الاقتصاديين.

لكن رغم ذلك، يرى بعض الخبراء أن إثبات هذه الممارسات عمليًا داخل الأسواق التقليدية يظل صعبًا.

* الاقتصاد غير المهيكل… الحاضنة الكبرى للشناقة

جزء كبير من النشاط التجاري في المغرب يتم داخل ما يسمى الاقتصاد غير المهيكل.

هذا النوع من الاقتصاد يتميز بـ :

• غياب الفواتير الرسمية
• ضعف المراقبة الضريبية
• معاملات نقدية مباشرة

وهذا يخلق بيئة مثالية لنشاط الوسطاء والمضاربين.

* الخاسر الأكبر… الفلاح والمواطن

المفارقة أن الشناقة لا يضرون المستهلك فقط، بل المنتج أيضًا.
الفلاح غالبًا يبيع محصوله بثمن منخفض بسبب:

• ضعف قدرته على التخزين
• حاجته السريعة إلى السيولة

بينما يحقق الوسيط الجزء الأكبر من الربح.

* الشارع المغربي… غضب يتصاعد

في مواقع التواصل الاجتماعي والمقاهي والأسواق، أصبحت كلمة “الشناقة” مرادفة لغلاء المعيشة.

الكثير من المواطنين يعتقدون أن:

• المضاربين يسيطرون على الأسواق
• السلطات لا تتدخل بشكل كافٍ
المواطن هو الضحية الأولى
• هذا الغضب يعكس تراجع الثقة في عدالة السوق.

* هل يمكن القضاء على الشناقة؟

يرى خبراء الاقتصاد أن الحل لا يكمن فقط في محاربة السماسرة، بل في إصلاح هيكلة الأسواق بالكامل.
من بين الحلول المقترحة :

• إنشاء أسواق جملة حديثة ومنظمة
• تقليص عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك
• دعم البيع المباشر من الفلاح للمستهلك
• تعزيز الرقابة على المضاربات

* خاتمة التحقيق
الشناقة ليسوا مجرد سماسرة في الأسواق، بل أصبحوا جزءًا من معادلة اقتصادية معقدة تجمع بين ضعف التنظيم، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، وغياب الشفافية في سلاسل التوزيع.
وبينما يزداد غضب الشارع المغربي من ارتفاع الأسعار، يبقى السؤال معلقًا:

* هل تستطيع الدولة استعادة السيطرة على الأسواق وكسر نفوذ المضاربين؟

* أم أن “إمبراطورية الشناقة” ستظل تتحكم في قوت المغاربة؟