الكاريان : ذاكرة الحي وصوت الكرامة في قصيدة الشاعر خالد فولان… إعادة كتابة الذاكرة الإنسانية للحي الشعبي»
حين يتحول الحي الشعبي إلى ذاكرة نابضة بالحياة، وتصبح الأزقة الضيقة مدارس للقيم والوفاء، يولد الشعر الحقيقي. ومن قلب تلك الأزقة يكتب الشاعر خالد فولان قصيدته «فخور بكوني ولد الكاريان»، ليعيد رسم صورة الطفولة والجيرة والوفاء للأماكن التي صنعت الإنسان قبل أن يصنع هو اسمه في الحياة. إنها ليست مجرد كلمات، بل شهادة حب واعتزاز بحي بسيط احتضن أبناءه وعلّمهم معنى التضامن والكرامة.
في هذه القصيدة، يستحضر الشاعر تفاصيل الحياة اليومية في الكاريان: الأم التي غرست الحنان، الجيران الذين علموا معنى الأخوة، وأصدقاء الطفولة الذين كانوا سنداً في الفرح والتحدي. كما يمر عبر أسماء ووجوه صنعت ذاكرة المكان، وأصوات فنية وثقافية تركت بصمتها في وجدان الحي، فتتحول الكلمات إلى لوحة إنسانية تنبض بالحنين، وتوثق جزءاً من تاريخ اجتماعي وثقافي عاشه جيل كامل.
ليس الكاريان بالنسبة للشاعر مجرد مكان للسكن، بل مدرسة للحياة، تعلم فيها معنى الحنان من الأم، وأصول التعامل مع الجيران، وقيمة الأخوة التي تجعل أبناء الحي خوتاً لا أعداء. كما تستحضر القصيدة رموزاً وأسماء من أبناء الحي الذين تركوا أثراً في الذاكرة الجماعية، وتشير إلى حضور الفن الشعبي والموسيقى التي كانت متنفساً لأبناء الحي، في إشارة إلى تأثير رواد الغناء الشعبي الذين ألهموا جيلاً كاملاً.
ويتوقف الشاعر عند فضاءات شكلت ملامح الطفولة والشباب: دار الشباب، المسرح، والملاعب البسيطة التي كانت ساحات للأحلام والتحدي. ومن خلال هذا السرد الشعري، يعبّر خالد فولان عن اعتزاز عميق بالانتماء، مؤكداً أن البعد عن الحي لا يعني نسيانه، فالأماكن التي تصنع الذاكرة تبقى راسخة في القلب مهما تغيّرت الظروف.
هكذا تتحول قصيدة «فخور بكوني ولد الكاريان» إلى رسالة وفاء لحي الكاريان وأهله، وإلى توثيق وجداني لمرحلة من الحياة كانت مليئة بالتضامن والبساطة والفرح، فتؤكد أن الشعر الحقيقي ينبع من جذور المكان ومن ذاكرة الإنسان، ليصبح شاهداً على حياة لم تختفِ، بل بقيت حية في كلمات وأزقة حي الكاريان.
* قصيدة فخور بكوني ولد الكاريان *
فخور بكوني ولد الكاريان
وفيه علمتني امي معنى الحنان
وكيفاش نتعامل مع الجيران
في أخلاقي ديما مزيان
كبرنا خوت ماشي عديان
من هنا حاربوا العصيان
وجراوا عليه في كل مكان
كيف المرتاح كيف العيان
من القصدير والبراكة ما كنت غضبان
كبرت مع با البهجة والمرحوم دنان
السي لحسن با براهيم وباالمدان
فين الناس ديال داك الزمان
تبرك معاهم وانت فرحان
داونا بالفن لهراويين
وقالوا لينا كبر ليكم الشأن
ولاد الحي ديما محسوبين
والبعد عليها ما حنا قادرين
ما ننساوا لمشاهب ناس لغيوان
واللي ما ذكرتوا دابا يبان
السهام تكادة مسناوة حسن فولان
مسرح الحي ايام زمان
نفتاخروا بيه في كل مكان
دار الشباب بيت الفنان
تيران الطاس الحفرة كان يا ماكان
وهذا اكبر تحدي برهان
احنا نفتاخروا بناس الكاريان
من الحي للهراويين
كلمات... خالد فولان.