من أطلس المغرب إلى مختبرات الصين: حفيظة واهيا… قصة عالِمة مغربية تقود البحث في سلامة الغذاء
لم يكن في طفولة حفيظة واهيا، التي نشأت بين جبال الأطلس وسهول الجنوب المغربي، ما يوحي بأن مسارها سيقودها يوماً إلى قيادة مختبر بحثي داخل جامعة صينية مرموقة. غير أن الطموح العلمي، والإصرار على التفوق، والقدرة على التكيف مع بيئات مختلفة، حولت حلم الطفلة القادمة من جنوب المغرب إلى قصة نجاح علمية عابرة للقارات، لتصبح اليوم واحدة من الباحثات المغربيات اللواتي يرسمن حضوراً لافتاً في الساحة العلمية الدولية.
* من جنوب المغرب إلى بوابة البحث العلمي
وُلدت حفيظة واهيا سنة 1990، وترعرعت بين مدينتي أزرو وآيت ملول، حيث بدأت رحلتها التعليمية التي قادتها لاحقاً إلى المدرسة العليا للتكنولوجيا بأكادير، قبل أن تتابع دراستها بكلية العلوم والتقنيات بفاس، متخصصة في مجال الصناعات الزراعية والغذائية.
بعد تخرجها، انطلقت مسيرتها المهنية داخل قطاع الصناعات الغذائية بجهة سوس ماسة، حيث اشتغلت مسؤولة عن النظافة الصحية ومراقبة الجودة بإحدى الشركات، كما عملت لاحقاً مهندسة مستشارة بأكادير، وأسهمت في إنجاز مشاريع مرتبطة بالممارسات الفلاحية الجيدة وأنظمة إدارة الجودة.
غير أن نقطة التحول الحقيقية في مسارها جاءت عندما تم اختيارها ضمن عشرين مرشحاً مغربياً للاستفادة من منحة دراسية مقدمة من مجلس المنح الدراسية الصيني، التابع لوزارة التعليم الصينية، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من حياتها الأكاديمية في الصين.
* تجربة علمية في بيئة مختلفة
اختارت حفيظة متابعة دراستها بجامعة جيانغسو بمدينة تشنجيانغ، مدفوعة بإيمانها بأهمية البحث التطبيقي في الصين، وبما توفره الجامعات الصينية من بنية تحتية متطورة للتجارب العلمية.
لكن بداياتها هناك لم تكن سهلة. فقد واجهت تحديات متعددة، أبرزها حاجز اللغة والشعور بالوحدة خلال الأشهر الأولى، إضافة إلى الاختلافات الثقافية التي قد تبدو معقدة لأي وافد يحمل مرجعيات متوسطية أو أطلسية.
ورغم تلك الصعوبات، استطاعت حفيظة التأقلم تدريجياً، مؤكدة أن الصينيين يولون أهمية كبيرة للغتهم، ويقدرون كل من يبذل جهداً لتعلمها والتواصل بها.
* تميز علمي وجائزة مرموقة
اختارت الباحثة المغربية أن تجعل إنجازها العلمي يتحدث عنها، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى. وقد أثمرت هذه المقاربة عن نجاح لافت، حيث حازت سنة 2021 على جائزة أفضل أطروحة في جامعة جيانغسو، وهو إنجاز اعتبرته دليلاً واضحاً على قدرة الباحثين المغاربة على التميز حتى في أكثر البيئات الأكاديمية تنافسية.
وترى واهيا أن حصولها على هذا التقدير العلمي في بلد بعيد عن موطنها يؤكد أن المثابرة والانضباط والعمل الجاد قادرة على تجاوز حدود اللغة والثقافة.
* قيادة مختبر وأبحاث متقدمة في سلامة الغذاء
تشغل حفيظة واهيا اليوم منصب أستاذة مساعدة، وتشرف على إدارة فرق بحثية ومواكبة طلبة الدكتوراه في مشاريعهم العلمية، إضافة إلى نشر أبحاث في مجلات علمية دولية مرموقة.
وتركز أبحاثها بشكل أساسي على تطوير تقنيات مبتكرة لتحسين جودة وسلامة المنتجات الغذائية، خصوصاً العصائر. ومن بين هذه التقنيات المعالجة بالأشعة فوق البنفسجية التي تسمح بتعقيم العصائر دون تعريضها للحرارة، ما يحافظ على قيمتها الغذائية، إلى جانب تقنية المعالجة الحرارية بالموجات فوق الصوتية التي تساعد على تقليل الحمل الميكروبي وإطالة مدة حفظ المنتجات الغذائية.
وقد تمكنت الباحثة المغربية من نشر أكثر من ثلاثين مقالاً علمياً في مجلات دولية مرموقة، إضافة إلى حصولها على تمويلات بحثية على المستويين الإقليمي والوطني في الصين.
* طريق مليء بالتحديات… ورسالة للأجيال الجديدة
ورغم هذا النجاح العلمي، تحرص حفيظة واهيا على تقديم صورة واقعية عن مسيرتها المهنية، مؤكدة أن الطريق نحو البحث العلمي لم يكن سهلاً، بل كان مليئاً بالضغوط والتقييمات المستمرة والحاجة الدائمة إلى تحقيق نتائج ملموسة، سواء عبر نشر الأبحاث أو الإشراف الأكاديمي أو الحصول على تمويل للمشاريع.
كما تؤمن الباحثة المغربية بقوة دور القدوات النسائية في تشجيع الفتيات على التوجه نحو مجالات العلوم والبحث العلمي، معتبرة أن رؤية النساء وهن يقدن مختبرات وينشرن في مجلات علمية كبرى يجعل من العلم مساراً متاحاً للفتيات، لا مجرد استثناء.
ولهذا تولي أهمية خاصة لليوم العالمي لحقوق المرأة، باعتباره مناسبة للتذكير بضرورة تعزيز حضور النساء داخل عالم البحث العلمي.
* إلهام يتجاوز الحدود
بفضل قدرتها على التأقلم مع البعد عن العائلة والعمل في بيئة لغوية وثقافية مختلفة، استطاعت حفيظة واهيا أن تصنع لنفسها مكانة علمية مرموقة داخل الصين.
واليوم توجه رسالة واضحة للشابات المغربيات الطامحات إلى خوض تجربة البحث العلمي في الخارج .
الإيمان بالقدرات الشخصية، والجرأة على اتخاذ الخطوة الأولى، وترك الأفكار والطموحات تتحدث بصوتها إلى العالم.