في لحظةٍ قد تبدو عادية، يتحوّل الضوء إلى عدو، والصوت إلى مطرقة، وتتحوّل أبسط تفاصيل اليوم إلى معركة صامتة داخل الرأس. إنها الشقيقة، أو ما يُعرف طبيًا باسم الصداع النصفي، أحد أكثر الاضطرابات العصبية انتشارًا في العالم، والذي لم يعد مجرد صداع عابر، بل مرضًا معترفًا به ينهك الملايين ويؤثر في العمل والعلاقات ونمط الحياة.

فلماذا تُسمّى الشقيقة “مرض العصر”؟ وما الذي يجعلها أكثر تعقيدًا من صداعٍ تقليدي؟ وكيف يمكن التعايش معها أو الوقاية منها؟

* ما هي الشقيقة؟

الشقيقة اضطراب عصبي مزمن يتميز بنوبات متكررة من الصداع، غالبًا ما تكون في جانب واحد من الرأس، وتتراوح شدتها من متوسطة إلى شديدة. وقد تستمر النوبة من ساعات إلى أيام، ويرافقها في كثير من الحالات:

• غثيان أو قيء

• حساسية مفرطة للضوء والصوت

• اضطرابات بصرية تُعرف بـ"الأورة"

• دوار أو تنميل في الأطراف

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الشقيقة تُعد من بين أكثر الأمراض المُسببة للإعاقة على مستوى العالم، خاصة لدى الفئة العمرية المنتجة.

* لماذا تُعد الشقيقة مرض العصر؟

1. الضغوط النفسية المتزايدة

تسارع إيقاع الحياة، وضغوط العمل، والتوتر المزمن عوامل تُحفّز نوبات الشقيقة لدى كثيرين.

2. نمط الحياة غير الصحي

قلة النوم، الإفراط في استخدام الشاشات، سوء التغذية، والجفاف—all عوامل تزيد من احتمالية الإصابة.

3. التغيرات الهرمونية

تنتشر الشقيقة بشكل أكبر بين النساء، خاصة خلال فترات التغيرات الهرمونية مثل الدورة الشهرية أو الحمل.

4. العوامل الوراثية

أثبتت الدراسات أن وجود تاريخ عائلي للإصابة يرفع من احتمالية الإصابة بشكل ملحوظ.

* مراحل نوبة الشقيقة

تمر نوبة الشقيقة غالبًا بأربع مراحل:

• مرحلة ما قبل الصداع (البادرة): تقلبات مزاجية، تعب، رغبة في أطعمة معينة.

• مرحلة الأورة (عند بعض المرضى): اضطرابات بصرية أو حسية مؤقتة.

• مرحلة الألم: صداع نابض يشتد مع الحركة.

• مرحلة ما بعد النوبة: شعور بالإرهاق والضبابية الذهنية.

* متى تصبح الشقيقة خطيرة؟

رغم أن الشقيقة ليست مرضًا قاتلًا، إلا أن إهمالها قد يؤدي إلى:

• تحوّلها إلى صداع مزمن يومي

• الإفراط في استخدام المسكنات وما يرافقه من مضاعفات

• تأثيرات نفسية مثل القلق والاكتئاب

ويُنصح بمراجعة الطبيب عند تكرار النوبات أو تغيّر نمط الألم بشكل مفاجئ.

* أحدث طرق العلاج

العلاج الدوائي

• مسكنات الألم التقليدية

• أدوية التريبتان المخصصة للشقيقة

• أدوية وقائية تُستخدم بانتظام لتقليل عدد النوبات

* العلاجات الحديثة

شهدت السنوات الأخيرة تطورًا في أدوية تستهدف بروتينات مرتبطة بحدوث الشقيقة، مما فتح بابًا جديدًا للأمل لدى المرضى الذين لم يستجيبوا للعلاجات التقليدية.

* العلاج غير الدوائي

• تنظيم النوم

• تقنيات الاسترخاء والتأمل

• العلاج السلوكي المعرفي

• ممارسة الرياضة بانتظام

* الشقيقة والصحة النفسية

العلاقة بين الشقيقة والحالة النفسية علاقة تبادلية؛ فالتوتر قد يثير النوبة، والنوبات المتكررة قد تؤدي إلى عزلة اجتماعية واضطرابات مزاجية. لذا فإن التعامل مع الشقيقة لا يقتصر على علاج الألم، بل يشمل تحسين جودة الحياة ككل.

* هل يمكن الوقاية؟

لا يمكن منع الشقيقة تمامًا، لكن يمكن تقليل حدتها وعدد نوباتها عبر:

• تحديد المحفزات الشخصية (أطعمة، روائح، قلة نوم)

• شرب كميات كافية من الماء

• تقليل الكافيين

• الالتزام بنمط حياة متوازن

* رسالة أخيرة

الشقيقة ليست “دلالًا” ولا “صداعًا عابرًا”، بل اضطراب عصبي حقيقي يحتاج إلى وعي مجتمعي وتعاطف ودعم طبي متخصص. وبين الألم والأمل، يبقى التشخيص المبكر والعلاج المناسب حجر الأساس في استعادة السيطرة على الحياة.

فربما لا يمكننا منع العاصفة دائمًا، لكن يمكننا أن نتعلم كيف نحتمي منها.