في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا جزءًا من الحياة اليومية، تحوّل بعض الأطفال من مجرد أفراد في الأسرة إلى "محتوى رقمي" يُقاس بعدد المشاهدات والإعجابات. خلف الشاشات المضيئة، تختبئ قصص صادمة عن ضغوط نفسية، أرباح مالية ضخمة، وطفولة تُستنزف أمام الجمهور.
من فيديوهات التحديات العائلية إلى البث المباشر اليومي، بات بعض الأطفال يعملون فعليًا في صناعة تدر ملايين الدولارات، دون قوانين واضحة تحميهم، ودون إدراك كامل لما يُنشر عنهم ويبقى أثره للأبد.

وكذا زمن المنصات الرقمية المتسارعة، لم يعد الطفل مجرد متلقٍ بريء للرسائل الإعلامية، بل أصبح هدفًا مباشرًا لخوارزميات مصممة بعناية لجذب الانتباه وإطالة زمن المشاهدة. من تطبيقات الفيديو القصير إلى الألعاب الإلكترونية، يتعرض الأطفال يوميًا لسيلٍ من المحتوى الذي قد يبدو ترفيهيًا في ظاهره، لكنه يخفي وراءه سباقًا محمومًا على البيانات والأرباح.
منصات كبرى مثل YouTube وTikTok لم تعد مجرد ساحات للترفيه، بل تحولت إلى بيئات رقمية متكاملة تُشكِّل وعي الصغار واهتماماتهم وسلوكهم الاستهلاكي. الإعلانات المموّهة، المؤثرون الأطفال، وتحديات الانتشار السريع… كلها عناصر تجعل الطفل جزءًا من منظومة اقتصادية أكبر منه بكثير.
المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب الحدود الواضحة بين الترفيه والاستغلال. عندما يتحول الطفل إلى "محتوى" يحقق المشاهدات، أو إلى مستهلك صغير يُستهدف بإعلانات دقيقة، فإن الخط الفاصل بين الحماية والاستثمار يصبح هشًا للغاية.
تشير تقارير دولية صادرة عن منظمات مثل UNICEF إلى ضرورة وضع أطر تنظيمية تضمن بيئة رقمية آمنة للأطفال، مع تعزيز دور الأسرة والمدرسة في التوعية الرقمية. فالمسؤولية لم تعد فردية، بل جماعية: تشريعات تحمي، منصات تلتزم، وأولياء أمور يراقبون ويوجّهون.


* أولًا : كيف بدأ استغلال الأطفال رقميًا؟

مع صعود منصات مثل YouTube وTikTok وInstagram، أصبح المحتوى العائلي من أكثر الأنواع جذبًا للجمهور.
ظهرت قنوات تعتمد كليًا على الأطفال، مثل قناة Ryan's World التي حققت أرباحًا بملايين الدولارات سنويًا، مما فتح الباب أمام آلاف الأسر لمحاولة تكرار النموذج.

لكن مع اتساع الظاهرة، ظهرت تساؤلات خطيرة:

• من يملك عائدات أرباح الطفل؟
• هل يحق للوالدين نشر كل تفاصيل حياة أبنائهم؟
• ماذا عن موافقة الطفل؟

* ثانيًا: أشكال الاستغلال في المحتوى الرقمي

1 الاستغلال التجاري

• تصوير الأطفال يوميًا للترويج لمنتجات.
• إدخالهم في عقود إعلانية دون حماية قانونية كافية.
• غياب قوانين شبيهة بقانون Coogan Law الذي يحمي عائدات الأطفال الممثلين في بعض الولايات الأمريكية.

2 الاستغلال العاطفي

• تصوير لحظات البكاء أو العقاب.
• نشر مواقف محرجة لجذب التفاعل.
• افتعال مواقف درامية لزيادة المشاهدات.

3 الاستغلال الخطير

• تحديات جسدية مؤذية.
• تصوير الأطفال في أوضاع قد تُستغل من قبل شبكات إجرامية.
• تعريضهم للتنمر الرقمي.

* ثالثًا : الأبعاد النفسية والاجتماعية

بحسب دراسات في جامعات أوروبية وأمريكية، فإن الأطفال الذين يكبرون تحت عدسة الكاميرا معرضون لـ:

• اضطرابات القلق.
• فقدان الخصوصية.
• صعوبة بناء هوية مستقلة.

حذرت تقارير من منظمات مثل UNICEF من أن "الطفولة الرقمية غير المنظمة قد تخلق آثارًا طويلة الأمد لا يمكن عكسها".

* رابعًا : الإطار القانوني… فراغ تشريعي خطير

في معظم الدول العربية، لا توجد قوانين صريحة تنظم عمل الأطفال في المنصات الرقمية.
حتى في الدول الغربية، بدأت المعالجات متأخرة. ففي France صدر قانون عام 2020 ينظم عمل الأطفال المؤثرين، ويُلزم الأسر بإيداع نسبة من الأرباح في حسابات مجمدة حتى بلوغ الطفل سن الرشد.
أما في العالم العربي، فما زالت القضية في إطار النقاش المجتمعي دون تشريعات واضحة.

* خامسًا : الجانب الاقتصادي… ملايين الدولارات على حساب الطفولة

• بعض القنوات العائلية تحقق أرباحًا سنوية تتجاوز عدة ملايين دولار.
• الشركات تفضل الأطفال في الإعلانات لأنهم:

• أكثر جذبًا.
• يحققون تفاعلًا أعلى.
• يؤثرون على قرارات الشراء داخل الأسرة.

لكن السؤال: هل يحصل الطفل على نصيبه العادل؟

* سادسًا : المنصات الرقمية… مسؤولية أم تواطؤ؟

رغم سياسات حماية الطفل المعلنة، فإن خوارزميات المنصات تكافئ المحتوى المثير للجدل، بغض النظر عن أبعاده الأخلاقية.

منصات مثل Meta (المالكة لفيسبوك وإنستغرام) تعلن سياسات صارمة، لكن آليات الرقابة غالبًا تعتمد على التبليغ بعد وقوع الضرر.

* سابعًا : شهادات من الداخل

في مقابلات مع أطفال سابقين ظهروا في قنوات عائلية، أفاد بعضهم بأنهم:

• لم يكن لديهم خيار الرفض.
• شعروا بأنهم "مشروع تجاري".
• تعرضوا لضغوط للحفاظ على صورة مثالية أمام الجمهور.

* ثامنًا : حلول ومقترحات

• سن قوانين واضحة لحماية أرباح الأطفال.
• إلزام الأسر بالحصول على تصاريح رسمية.
• إشراف نفسي دوري للأطفال العاملين في المحتوى الرقمي.
• تحميل المنصات مسؤولية أكبر في مراقبة المحتوى.
• نشر الوعي المجتمعي حول مخاطر "تسليع الطفولة".

* الخلاصة

استغلال الأطفال في المحتوى الرقمي ليس مجرد قضية ترفيه عائلي؛ بل هو ملف حقوقي وأخلاقي واقتصادي معقد.
بين أرباح الإعلانات وضحكات المشاهدين، تقف طفولة قد تُستنزف بصمت.

السؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كان المحتوى ممتعًا أو رائجًا،
بل ما إذا كان يحترم طفولةً يفترض أن تُصان، لا أن تُستثمر.
ففي معركة المشاهدات، يبقى الضمير هو الخوارزمية الأه
"هل نحمي الأطفال… أم نستهلكهم؟"