لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للترفيه وصناعة المحتوى، بل تحوّلت إلى صناعة تدرّ مليارات الدولارات سنوياً. لكن خلف الصور البراقة وحياة الرفاهية التي يعرضها بعض المؤثرين، تتكشف شبكة معقدة من التدفقات المالية المشبوهة. تحقيقات دولية متفرقة، أبرزها تسريبات International Consortium of Investigative Journalists، كشفت كيف استغل بعض المؤثرين شهرتهم لتسهيل عمليات غسل أموال عابرة للحدود، مستفيدين من ثغرات قانونية ورقابية في الاقتصاد الرقمي.
هذا التحقيق يرصد آليات العمل، الثغرات القانونية، أدوات التمويه، وحجم المخاطر، مع قراءة في مسؤولية المنصات والجهات الرقابية.

* أولاً : لماذا أصبح المؤثرون أداة مثالية لغسل الأموال؟

1. اقتصاد قائم على الثقة

المؤثر يبني علاقة مباشرة مع جمهور واسع يثق بتوصياته. هذه الثقة تتحول إلى قناة مالية يصعب التشكيك بها، خاصة عند الترويج لمنتجات، منصات استثمار، أو مشاريع رقمية.

2. تدفقات مالية عابرة للحدود

عبر منصات :
تتيح تحويل الأموال عبر الإعلانات، الرعايات، البث المباشر، والهدايا الرقمية، ما يصعّب تتبع المصدر الحقيقي للأموال.

3. غياب الشفافية في العقود الدعائية

كثير من عقود الرعاية تتم عبر شركات وسيطة أو حسابات خارجية في ملاذات ضريبية، ما يخلق طبقات متداخلة لإخفاء هوية الممول الحقيقي.

* ثانياً : كيف تتم عملية غسل الأموال عبر المؤثرين؟

• المرحلة الأولى : الإيداع

• تحويل أموال غير مشروعة إلى شركة تسويق أو وكالة إدارة مواهب.
• تسجيل عقد رعاية وهمي مع مؤثر مقابل "حملة إعلانية".

• المرحلة الثانية : التمويه

• نشر محتوى ترويجي شكلي.
• تضخيم قيمة العقد الدعائي مقارنة بالقيمة السوقية الحقيقية.

• المرحلة الثالثة: الدمج

• إعادة استثمار الأموال في مشاريع قانونية مثل العقارات، العلامات التجارية، أو العملات الرقمية.
• الإعلان عن "نجاح استثماري" لتبرير الثروة المفاجئة.

* ثالثاً : العملات الرقمية… الغطاء المثالي

منصات تداول العملات المشفرة، خصوصاً عبر محافظ مجهولة، وفرت قناة إضافية لتبييض الأموال. بعض المؤثرين يروجون لمشاريع "كريبتو" ناشئة، ثم تختفي الأموال في ما يُعرف بعمليات "السحب المفاجئ".
تقارير صادرة عن Financial Action Task Force حذّرت من تنامي استخدام الشخصيات العامة والمؤثرين في الترويج لمشاريع مالية غير خاضعة للرقابة
.
* رابعاً : حالات عالمية تكشف المستور

في Dubai، كشفت تحقيقات صحفية عن استخدام بعض المشاهير الأجانب لعقارات فاخرة كواجهة لاستثمارات غير معلنة المصدر.
وفي أوروبا، تابعت سلطات في Spain وFrance قضايا تهرب ضريبي وغسل أموال مرتبطة بمشاهير الإنترنت، مستغلين شركات مسجلة خارج الاتحاد الأوروبي
.
* خامساً : مسؤولية المنصات… هل هي شريك أم ضحية؟

شركات التكنولوجيا تؤكد التزامها بسياسات مكافحة غسل الأموال، لكن خبراء يرون أن نماذج الربح القائمة على زيادة التفاعل والإعلانات تجعل الرقابة المالية أولوية ثانوية.
في عام 2023، أعلنت Meta تشديد إجراءات التحقق من الإعلانات المالية، إلا أن تطبيقها يختلف من دولة لأخرى.

* سادساً : الثغرات القانونية

• اختلاف تعريف "المؤثر" قانونياً بين الدول.
• ضعف تبادل المعلومات بين السلطات الضريبية.
• صعوبة إثبات نية التواطؤ في حال وجود عقد دعائي رسمي.
• استغلال الملاذات الضريبية والشركات الوهمية.

* سابعاً : الأثر المجتمعي والاقتصادي

• تضليل الجمهور بفرص استثمار وهمية.
• خسائر مالية ضخمة للمتابعين.
• تقويض الثقة في الاقتصاد الرقمي.
• خلق بيئة تنافسية غير عادلة للمؤثرين الملتزمين بالقانون.

* ثامناً : كيف يمكن المواجهة؟

• على المستوى القانوني:

• توحيد تعريف النشاط الإعلاني الرقمي.
• إلزام المنصات بالإفصاح عن مصادر التمويل الكبرى.
• فرض عقوبات عابرة للحدود.

• على مستوى المنصات:

• أنظمة ذكاء اصطناعي لرصد التدفقات المالية غير الطبيعية.
• توثيق إلزامي للعقود الدعائية ذات القيم المرتفعة.

• على مستوى الجمهور:

• التحقق من مصداقية المشاريع.
• الحذر من العوائد الاستثمارية غير المنطقية.

* خاتمة

في عصر تتحول فيه الشهرة إلى عملة، قد يصبح المؤثر حلقة وصل بين عالمين: عالم الأضواء وعالم الاقتصاد الخفي. وبينما يواصل الاقتصاد الرقمي نموه المتسارع،

يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح التشريعات في اللحاق بالإبداع الإجرامي، أم سيظل بعض المؤثرين خارج دائرة المحاسبة؟

تحقيق كهذا لا يدين صناعة بأكملها، لكنه يسلط الضوء على منطقة رمادية تتوسع بصمت، مستفيدة من ثغرات النظام المالي العالمي، ومن ثقة جمهور يبحث عن الحلم… حتى لو كان الثمن مدخراته.