تحول جذري من منطق العقاب إلى منطق استرجاع الحقوق

دخل القانون رقم 71.24، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بـمدونة التجارة، حيّز التنفيذ بتاريخ 29 يناير 2026، مُعلِنًا تحولًا بنيويًا عميقًا في المقاربة التشريعية لجرائم الشيك بالمغرب.

ولم يكن الأمر مجرد تعديل تقني محدود، بل إعادة صياغة شاملة للفلسفة الزجرية المؤطرة لهذا النوع من الجرائم، في اتجاه عقلنة التجريم، وترشيد اللجوء إلى الاعتقال، وتغليب منطق استيفاء الحقوق المالية على منطق الزجر السالب للحرية.

لقد انتقل المشرع المغربي من مقاربة تقليدية ذات طابع ردعي صرف، كانت تُقدِّم العقوبة الحبسية كخيار أول، إلى مقاربة تصالحية-وظيفية تجعل من استرجاع الدين وتسوية الوضعية المالية الهدف المركزي للمتابعة.

* تكريس مسطرة الإعذار: مهلة قبل تحريك الدعوى

في ظل المقتضيات السابقة، كانت المتابعة الجنائية تتحرك فور تقديم الشكاية ومعاينة انعدام المؤونة، دون اشتراط منح فرصة حقيقية للتسوية، وهو ما كان يفضي عمليًا إلى توسيع نطاق الاعتقال الاحتياطي.

أما اليوم، فقد أصبح الإعذار إجراءً إلزاميًا سابقًا لتحريك الدعوى العمومية. ويمنح القانون للساحب مهلة ثلاثين يومًا، قابلة للتمديد لمدة مماثلة بموافقة المستفيد، قصد تسوية وضعيته وأداء قيمة الشيك.

هذا المستجد يكرّس مبدأ التناسب والتدرج في استعمال الدعوى العمومية، ويجعل المتابعة الجنائية آخر ملاذ بعد استنفاد إمكانية الأداء الطوعي.

* تخفيض العقوبات الحبسية وإلغاء الحبس في حالات الضمان

أعاد المشرع ضبط الإطار العقابي لجنحة إصدار شيك بدون مؤونة، فتم تخفيض العقوبة الحبسية من سنة إلى خمس سنوات، إلى ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، بما يعكس توجهًا نحو ملاءمة العقوبة مع طبيعة الفعل.

والأكثر دلالة هو إلغاء العقوبة الحبسية في حالة قبول شيك على سبيل الضمان، وتعويضها بغرامة مالية محددة في نسبة 2% من قيمة الشيك.

وهو اختيار تشريعي يُعيد توصيف هذا السلوك باعتباره إخلالًا ماليًا تنظيميًا، لا اعتداءً جنائيًا يبرر سلب الحرية.

* استثناء جرائم الشيك من العقوبات البديلة

رغم النزعة التخفيفية التي وسمت التعديل، نص المشرع صراحة على عدم قابلية جرائم الشيك لتطبيق العقوبات البديلة.

وبذلك، فإن المحكوم عليه لا يملك سوى أحد مسلكين: الأداء أو التنازل، وإلا ظلت العقوبة الحبسية قائمة.

ويكشف هذا المقتضى عن إرادة تشريعية واضحة في الحفاظ على الطابع الإلزامي للأداء، وعدم تحويل النص إلى آلية للإفلات من المسؤولية المالية.

* توسع غير مسبوق لأثر الصلح وسقوط الدعوى

وسّع القانون الجديد نطاق الصلح بشكل لافت، إذ أصبح أداء قيمة الشيك أو الحصول على تنازل، مقرونًا بأداء غرامة قانونية محددة في 2%، سببًا مباشرًا لسقوط الدعوى العمومية بقوة القانون، ولو كانت القضية في مرحلة التنفيذ.

ويترتب عن ذلك الإفراج الفوري عن المعتقل، في تجسيد واضح للانتقال من فلسفة العقاب إلى فلسفة التسوية، مع الحفاظ الكامل على حق الدائن في استيفاء دينه.

* حماية الروابط الأسرية من التجريم

من بين أبرز المستجدات ذات البعد الاجتماعي، استبعاد حالات إصدار شيك بدون رصيد بين الأزواج، أو بين الأصول والفروع من الدرجة الأولى، من نطاق التجريم.

كما قرر المشرع استمرار هذه الحماية حتى بعد الطلاق لمدة أربع سنوات.

وهو توجه يوازن بين استقرار المعاملات التجارية وحماية البنية الأسرية من أن تتحول آلية تجارية إلى وسيلة ضغط أو تصفية حسابات داخل الأسرة.

* مراجعة نظام الغرامات : من منطق الردع الثقيل إلى التحفيز الواقعي

انتقل المشرع من منطق الغرامات الثقيلة التي كانت قد تبلغ 25% من قيمة الشيك لتسوية الوضعية البنكية، إلى منطق تحفيزي قائم على نسبة 2% فقط مقابل الاستفادة من سقوط المتابعة.

هذا التخفيض لا يُفهم باعتباره تهاونًا، بل آلية واقعية لتشجيع الأداء الفوري، وتفادي تراكم الديون والعقوبات التي كانت تدفع ببعض المدينين إلى العجز التام بدل التسوية.

* ترشيد الاعتقال الاحتياطي واعتماد المراقبة

في إطار إعادة ترتيب أولويات السياسة الجنائية، أتاح القانون إمكانية إخضاع الساحب لتدابير المراقبة، بما فيها المراقبة الإلكترونية خلال مهلة الإعذار، بدل اللجوء التلقائي إلى الاعتقال الاحتياطي.

وهو توجه ينسجم مع قرينة البراءة، ويؤكد أن الحرية هي الأصل، وأن التقييد استثناء تفرضه الضرورة والتناسب.

* مرحلة جديدة في السياسة الجنائية الاقتصادية

تكشف القراءة الشمولية للقانون 71.24 عن تحول نوعي في السياسة الجنائية المرتبطة بالمعاملات التجارية. فالمشرع اختار الانتقال من عدالة عقابية تُراكم الاعتقالات، إلى عدالة مالية-تصالحية تجعل من استرجاع الحقوق الهدف الأسمى، دون المساس بجوهر الحماية الجنائية للثقة في المعاملات.

إنه مسار تشريعي جديد عنوانه: عقلنة التجريم، تكريس التناسب، وربط الجزاء بوظيفته الاقتصادية والاجتماعية، لا بطابعه الزجري المجرد.