رشيد برياح… صوت وجدة الخالد وأسطورة الراي المغربي الذي صنع مجده ونشر هذا الفن من المغرب إلى العالمية
في زمنٍ كانت فيه موسيقى الراي تعبر الحدود من غرب الجزائر إلى شرق المغرب، بزغ اسم رشيد برياح كأحد الأعمدة الأساسية لهذا الفن بالمغرب، وصوتٍ حمل عبق البادية ونبض المدينة في آنٍ واحد. من مدينة وجدة، خرج فنان استطاع أن يمنح الراي المغربي ملامحه الخاصة، وأن يرسّخ حضوره في المشهد الفني منذ مطلع الثمانينيات، إلى جانب أسماء لامعة مثل ميمون الوجدي وحسن الريصاني وميمون بسامي والشاب كمال والإخوان بوشناق.
* من ملاعب الرياضة إلى أضواء الشهرة
لم تكن بدايات رشيد برياح فنية، بل رياضية بامتياز. فقد مارس كرة القدم وكرة اليد ضمن صفوف فريق مولودية وجدة، بل وحصل على لقب “بطل المغرب في ألعاب القوى”، قبل أن ينحاز قلبه لصوت الفن. ورغم معارضة والده، الذي كان يشغل منصبًا إطارًا في قطاع المالية، اختار الشاب الوجدِي أن يسلك درب الغناء، مؤمنًا بأن صوته يحمل رسالة تتجاوز حدود الهواية.
* أول صوت راي على شاشة التلفزيون المغربي
يُحسب لرشيد برياح أنه كان من أوائل من حملوا الراي إلى شاشة القناة الأولى المغربية، حين أحيا سهرة “باب الغربي” بوجدة بمناسبة زيارة الملك الراحل الحسن الثاني. كما شارك في مهرجان السعيدية إلى جانب مجموعة جيل جيلالة، في لحظة مفصلية كانت أول لقاء مباشر له مع الجمهور المغربي عبر الشاشة الصغيرة.
ومن خلال أغنيته الشهيرة “يامينة بالسلامة”، ثم مشاركته في البرنامج التلفزيوني ذائع الصيت سباق المدن، بدأت ملامح نجوميته تتشكل، قبل أن يتعزز حضوره سنة 1986 بإعادته لأغنية “مبروك علينا” للفنان الجزائري رابح درياسة، ما وسّع دائرة انتشاره داخل المغرب وخارجه.
* سرّ النجاح… حين يلتقي التراث بالعصر
في حديثه عن مسيرته، يؤكد رشيد برياح أن سر نجاحه يكمن في “دمج التراث باللمسات العصرية”. فقد سعى إلى إعادة تقديم الفلكلور الشرقي، خصوصًا راي منطقة وجدة، بإضافة آلات موسيقية حديثة وتوزيعات أكثر انفتاحًا على التأثيرات الغربية، دون التفريط في روح الأغنية البدوية وأصالتها.
هذا المزيج منح الراي نفسًا جديدًا، وجعله أكثر جذبًا لفئة الشباب، وأسهم في انتشاره داخل المغرب وبلدان المهجر. وكان برياح من الأوائل الذين تجرؤوا على هذا التحول، ما جعله علامة فارقة في تاريخ الراي المغربي الشعبي.
* بين المنصات الرقمية وخشبة المسرح
وعن مقياس النجاح في زمن الأرقام، يرى رشيد برياح أن نسب المشاهدة على الإنترنت لا تعكس بالضرورة القيمة الفنية. فبالنسبة له، يبقى الأداء الحي على المسرح، والتفاعل المباشر مع الجمهور، والأصالة الفنية، هي المعيار الحقيقي لنجاح أي عمل غنائي، بعيدًا عن “التلاعب الرقمي” وصناعة الأرقام.
* تكريمات ومسار مشرف
طوال مسيرته، حصد رشيد برياح العديد من الجوائز في مهرجانات وطنية وعربية، وتم تكريمه في مناسبات متعددة تقديرًا لعطائه الفني. كما عبّر عن اعتزازه بمشاركته في مناسبات ملكية ولقائه بكل من الملك الراحل الحسن الثاني والملك محمد السادس، معتبرًا ذلك شرفًا له ولكل الفنانين المغاربة.
هكذا يظل رشيد برياح أكثر من مجرد مغنٍ للراي؛ إنه أحد صُنّاع هويته المغربية، وصوتٌ اختار أن يحمل التراث إلى المستقبل، مؤمنًا بأن الأصالة حين تُحسن مخاطبة العصر… تصنع الخلود.
