رحلة شاعرة مغربية كتبت أنينها الأول فصار ديواناً، وحوّلت الحنين إلى قصائد تعبر القارات
في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات وتفقد أحياناً معناها، تظل بعض الأصوات قادرة على إعادة الاعتبار للحرف، وعلى إعادة الدفء إلى اللغة. من بين هذه الأصوات تبرز الشاعرة المغربية فاطمة معروفي، المقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي استطاعت أن تنسج لنفسها مساراً أدبياً خاصاً، يجمع بين رهافة الإحساس وصدق التجربة، وبين الانتماء المغربي والانفتاح الإنساني الواسع.


* من الرباط… حيث بدأ أنين الحرف


وُلدت فاطمة معروفي في 30 أكتوبر 1977 بمدينة الرباط، وسط أسرة مشبعة بروح الإبداع. فوالدها العربي معروفي كاتب وملحن معروف، كما أن شقيقها بدر الدين معروفي شاعر وملحن، ما جعل البيت فضاءً مفتوحاً على الكلمة والنغم منذ الطفولة.
تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي بمدرسة التوحيد، وأكملت دراستها بثانوية عمر الخيام، حيث حصلت على شهادة الباكالوريا في شعبة العلوم الاقتصادية. غير أن ميولها الحقيقية كانت تتشكل في صمتٍ موازٍ… في دفاتر صغيرة، وبين همسات الليل.
في سن الرابعة عشرة، أحست بما تصفه بـ"الأنين الداخلي" الذي كان الشرارة الأولى لولادة الشعر في حياتها. كتبت أولى قصائدها بعنوان "أنين الليل"، فكانت البداية التي تحوّل فيها الإحساس إلى رسالة، والكلمات إلى قدر جميل لا فكاك منه.


* بين الفصحى والدارجة… هوية شعرية متعددة الأبعاد

تكتب فاطمة معروفي بالعربية الفصحى كما تكتب بالدارجة المغربية البيضاوية، في تناغم يعكس تعدد روافد تجربتها. نشرت أعمالها في عدة مواقع وصحف إلكترونية عربية، وشاركت في أعمال فنية داخل عدد من الدول العربية، من بينها أفلام قصيرة وروائية اشتغلت فيها في إدارة الإنتاج، إضافة إلى مساهماتها في كتابة روايات وقصص لبعض القنوات الخليجية والعربية.
هذا التعدد لم يكن مجرد تنويع شكلي، بل تعبيراً عن رؤية تؤمن بأن الإبداع لا يعترف بالحدود الجغرافية، ولا يقف عند شكل لغوي واحد.

* حضور ثقافي داخل المغرب وخارجه

بصمت فاطمة معروفي حضورها في عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية، مؤكدة أن الشعر ليس عزلة، بل مشاركة وانفتاح.
من بين أبرز مشاركاتها:

• حضورها في المهرجان العالمي للمرأة بمدينة الدار البيضاء.
• حفل توقيع ديوانها "أنين الليل" بالبهو الأدبي لـ مسرح محمد الخامس، بحضور نخبة من الأدباء والنقاد، من بينهم الشاعر والناقد الأستاذ محمد الخريف.
• مشاركتها في فعالية "عازفي الندى" بحوران، حيث أعلنت عن إطلاق أول ديوان شعري لها.
• مشاركتها في الدورة الرابعة لمهرجان "مقامات الإمتاع والمؤانسة" الذي نظمته جمعية أبي رقراق بمدينة سلا.


كما تُعد عضواً شرفياً في جمعية ملتقى بلادي للمواطنة، وتشغل رئيسة شرفية لنادي الشباب للشعر والزجل، في تأكيد واضح على التزامها الثقافي والمجتمعي.


* دواوين… تعكس عمق التجربة

أصدرت الشاعرة فاطمة معروفي مجموعة من الدواوين الشعرية التي تعكس مساراً متدرجاً في النضج والرؤية، من أبرزها:
"أنين الليل"
"سكرات الصمت"
"نقطة تحول"

في هذه الأعمال يتجاور الإحساس بالتأمل، ويصافح الحنينُ الأمل، فيما تتشكل القصيدة كمساحة اعتراف صادقة، لا تخشى البوح ولا تتردد في ملامسة الأسئلة الكبرى.

* صوت نسائي… وإبداع في صحة جيدة

يرى عدد من النقاد أن تجربة فاطمة معروفي تؤكد أن "الإبداع النسائي المغربي في صحة جيدة جداً"، وأنها من الأصوات الشعرية النسائية التي بصمت حضورها في الساحة الأدبية المغربية والعربية بثبات ورقي.

من خلال قصائدها، ومن بينها قصيدتها المعروفة "يا طائر الهوى"، تواصل الشاعرة كتابة ذاتها وذاكرة وطنها، حتى وهي تقيم بعيداً عنه. فالهجرة عندها لم تكن انفصالاً، بل امتداداً إنسانياً يوسّع أفق الرؤية ويعمّق الإحساس بالانتماء.

* في الختام

فاطمة معروفي ليست مجرد اسم في لائحة الشعراء، بل تجربة تتقاطع فيها العائلة والفن، الوطن والمهجر، الألم والأمل. هي شاعرة آمنت بأن الحرف مسؤولية، وبأن القصيدة يمكن أن تكون جسراً بين القلوب… مهما ابتعدت المسافات.
وبين الرباط وأمريكا، ما زال "أنين الليل" يتحول في يدها إلى فجرٍ جديد من الإبداع.