حين تصبح وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً للرد لا للحوار: التحقيق القانوني في المغرب
في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي منصة أساسية للتعبير عن الرأي وتبادل الأخبار والمعلومة. لكن في حين كانت هذه المنصات في بداياتها تدعو إلى الحوار وتبادل الآراء، أصبحت اليوم كثيرًا ما تتحوّل إلى ساحات للردود السريعة، الانفعالية أحيانًا، وجدل لا يفضي غالبًا إلى فهم أو حل. ومع تزايد السلوك الانفعالي على هذه الشبكات، حاول المشرّع المغربي وضع أطر قانونية لضبط الفضاء الرقمي ومعاقبة التجاوزات، وهو ما أثار جدلًا حول حرية التعبير وحدودها في الفضاء الإلكتروني.
* إشكالية الرد بدلاً من الحوار
أصبح كثير من مستخدمي الشبكات الاجتماعية يركزون على الردود الانفعالية بدل الاستماع الجاد للطرف الآخر، مما يؤدي إلى انتشار السجالات، وسوء الفهم، وتشويه الحقائق، بل ووصولًا إلى الإساءة المباشرة والتشهير. هذا الواقع يطرح أسئلة حول أثر هذا السلوك على المجتمع من جهة، وما إذا كان القانون المغربي كفيلًا بضبطه من جهة أخرى.
* الإطار القانوني المغربي: جرائم الكلمة والعقوبات
1. جرائم التشهير والسب عبر الوسائل الرقمية
القانون المغربي يعاقب السبّ والشتم والتشهير، بما في ذلك ما يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه الأفعال ليست مجرد “تبادل آراء”، بل جرائم يعاقب عليها القانون لما تسببه من أذى للآخرين وتشويه للسمعة، وقد تؤدي إلى متابعة جنائية عند تقديم شكاية لدى النيابة العامة أو الضحية مباشرة.
2. حماية الحياة الخاصة ونشر المحتوى بدون موافقة
تنص قوانين مكافحة العنف والجرائم الإلكترونية على عقوبات ضد من يقوم بالتقاط أو نشر صور أو تسجيلات أو معلومات خاصة بشخص بدون موافقته، سواء أكان ذلك عبر شبكات التواصل أم عبر أي وسيلة إلكترونية.
3. نشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة
تنص بعض مواد قانون الصحافة والنشر على مسؤولية المذيع أو الناشر عن الأخبار الكاذبة أو غير الدقيقة التي يمكن أن تضر بالنظام العام أو تدخل في نطاق التضليل أو التشويه، وتترتب عنها عقوبات مالية قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدراهم كما يلزم القانون بمبدأ التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها.
4. مشاريع تشريعية لتشديد العقوبات
ما زالت هناك محاولات تشريعية لإدراج أحكام أكثر صرامة في القانون الجنائي المغربي لمعاقبة من يستخدم الشبكات الاجتماعية لنشر الأكاذيب أو للتحريض على الإساءة، وقد اقترح بعض المشرعين نصوصًا تتضمن السجن والغرامات للمخالفين.
* اخبار واقعية:
تطبيق القانون على الجرائم الإلكترونية
• الحالات العملية التي وصلت إلى المحاكم تؤكد أن المشرّع لا يتردد في مواجهات الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت:
تم توقيف متظاهر حقوقي في المغرب عقب اتهامه بنشر معلومات “مزيفة” على شبكات التواصل تتعلق بعلاقة دبلوماسية، وقد يواجه عقوبة سجن تمتد لسنوات بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية.
• صحفي مغربي نُفّذ في حقه حكم بالسجن وغرامة مالية كبيرة بتهمة التشهير والادعاء الكاذب ضد مسؤول سياسي بعد نشره فيديوهات على منصته الإلكترونية.
• سجّلت محاكمات بحق مدونين وناشطين تمّت متابعتهم بتهم متعلقة بالإساءة أو نشر معلومات تُعدّ تشهيرًا، ما يوضح أن تطبيق القانون يشمل الجميع، سواء كانوا صحفيين أو مستخدمين عاديين.
* البعد الحقوقي: حرية التعبير مقابل القانون
رغم وجود إطار قانوني يعاقب بعض التجاوزات، أثارت بعض المواد القانونية الجدل حول تقييد حرية التعبير، إذ يرى البعض أن النصوص الفضفاضة المتعلقة بالأخبار الكاذبة أو التشهير قد تُستخدم لملاحقة المعارضين أو المنتقدين، ما خلق نقاشًا بين دعاة حرية التعبير والمؤيدين للتشريع الصارم لضبط الفضاء الرقمي.
* في الاخير
بين الحاجة إلى تنظيم الفضاء الرقمي ومكافحة الإساءة والتشهير، وبين حماية حرية التعبير، يظل التوازن القانوني والاجتماعي في المغرب قضية حساسة. إن ما يحدث على منصات التواصل اليوم ليس مجرد ردود سريعة، بل انعكاس للتحديات القانونية والثقافية في مجتمع يعيش التحوّل الرقمي.
* وفي النهاية
يبقى السؤال نفسه: كيف يمكن أن نوظف وسائل التواصل للحوار الفعّال دون أن نُخضعها لقوانين تعوق التعبير المشروع؟
* الجواب
يتطلب وعيًا قانونيًا وثقافيًا معًا.