قانون مهنة المحاماة بين تضارب النصوص وتوتر العلاقة مع وزارة العدل: أي إصلاح في ظل أجواء مشحونة؟
يعيش قانون مهنة المحاماة بالمغرب منذ سنوات على إيقاع نقاش متجدد، يتراوح بين مطلب التحديث ومخاوف المساس باستقلالية المهنة، في سياق يعرف توترًا غير مسبوق في العلاقة بين وزارة العدل وجمعية هيآت المحامين بالمغرب.
نقاش لم يعد تقنيًا صرفًا، بل أضحى عنوانًا لإشكال أعمق يمس فلسفة الإصلاح وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم مهنة دستورية.
فمن جهة، يثير القانون الحالي مجموعة من التناقضات الداخلية والتضارب بين مقتضياته، ومن جهة أخرى، يطرح مشروع تعديله تساؤلات جدية حول منهجية التشريع ومدى إشراك الفاعلين المهنيين في صياغة نص يؤطر واحدة من أهم مهن الدفاع عن الحقوق والحريات.
* تضارب النصوص… إشكال تشريعي مؤجل
يعاني قانون مهنة المحاماة من تداخل في الاختصاصات وغموض في بعض المقتضيات، خاصة تلك المتعلقة بالتأديب، وتنظيم العلاقة بين المحامي والسلطة القضائية، وحدود تدخل وزارة العدل في *:الشأن المهني.
هذا التضارب ينعكس عمليًا في تعدد التأويلات، ويفتح الباب أمام اجتهادات متباينة، تمس أحيانًا بالأمن القانوني وبمبدأ المساواة بين المحامين.
كما أن بعض المقتضيات لم تعد تواكب التحولات الدستورية التي عرفها المغرب، خاصة بعد دستور 2011، الذي كرس دور المحاماة كفاعل أساسي في منظومة العدالة، وركيزة من ركائز المحاكمة العادلة.
*؛مشروع التعديل… إصلاح أم إعادة ضبط؟
في خضم هذا الواقع، طرحت وزارة العدل مشروع تعديل قانون المهنة، مبررة ذلك بضرورة التحديث والملاءمة مع المتغيرات التشريعية والمؤسساتية.
غير أن هذا المشروع قوبل برفض واسع من طرف هيآت المحامين، التي اعتبرت أن بعض مقتضياته تمس باستقلالية المهنة، وتُفرغ التنظيم الذاتي للمحاماة من محتواه، خاصة فيما يتعلق بالتأديب، والتكوين، وشروط الولوج، والعلاقة مع السلطة التنفيذية.
وترى جمعية هيآت المحامين بالمغرب أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتم بمنطق الفرض، بل عبر حوار مؤسساتي جاد، قائم على التشاركية، واحترام الخصوصية الدستورية للمهنة.
* أجواء مشحونة… أزمة ثقة أم اختلاف رؤى؟
التصعيد المتبادل في الخطاب بين وزارة العدل وممثلي المحامين كشف عن أزمة ثقة أكثر مما هو خلاف تقني حول النصوص.
فالمحامون يعتبرون أن الوزارة تتبنى مقاربة أحادية، بينما ترى هذه الأخيرة أن بعض ردود الفعل تعرقل مسار الإصلاح.
غير أن الثابت في هذا الجدل، هو أن مهنة المحاماة لا يمكن اختزالها في مجرد نص تنظيمي، بل هي مؤسسة حقوقية، لا يستقيم أداؤها دون ضمان استقلالها، وصون كرامة منتسبيها، واحترام دورهم في حماية الحقوق والحريات.
* نحو أي أفق؟
إن إصلاح قانون مهنة المحاماة يظل ضرورة ملحة، لكن نجاحه يقتضي:
• معالجة حقيقية لتضارب النصوص والغموض التشريعي
• احترام مبدأ التشاركية في إعداد القوانين المهنية
• تحصين استقلالية المحاماة باعتبارها ضمانة للمتقاضين قبل أن تكون امتيازًا للمحامين
فالقانون، مهما بلغت دقته، يفقد مشروعيته إذا صيغ في مناخ مشحون، وبعيدًا عن التوافق، خاصة حين يتعلق الأمر بمهنة تشكل إحدى دعامات العدالة ودولة القانون.