الأستاذة ذ. ابتسام إسماعيني بين الكسب غير المشروع وتبييض الأموال: قراءة قانونية في مدى نجاعة الإطار التشريعي المغربي لمحاصرة الفساد المالي
يشكل الفساد المالي أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه دولة القانون، لما له من مساس مباشر بمبادئ الشرعية، والمساواة أمام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما كرسها الدستور المغربي. ويأتي الكسب غير المشروع وتبييض الأموال في صلب الجرائم المالية التي تقوض الثقة في المؤسسات وتعرقل مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يطرح تساؤل جوهري حول مدى كفاية وفعالية الترسانة القانونية المغربية في مواجهة هاتين الظاهرتين، سواء على مستوى التجريم، أو الزجر، أو آليات التتبع والإثبات.
لمناقشة هذه الإشكالات، أجرى موقع لكل الأسرة هذا الحوار مع الأستاذة ابتسام إسماعيني الإدريسي، محامية بهيئة الدار البيضاء، التي قدمت قراءة قانونية دقيقة للإطار التشريعي المنظم، وكشفت عن حدود النصوص القانونية والإكراهات العملية المرتبطة بتطبيقها.
* كيف يتعامل القانون المغربي مع مفهوم الكسب غير المشروع؟
• من الناحية المفاهيمية، يُقصد بالكسب غير المشروع كل زيادة غير مبررة في الذمة المالية لشخص خاضع لواجب التصريح بالممتلكات، لا يمكن تبريرها بمداخيله المشروعة.
غير أن الإشكال الجوهري في المنظومة القانونية المغربية يتمثل في غياب نص تشريعي صريح ومستقل يجرم الكسب غير المشروع، رغم التنصيص الدستوري على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ورغم تعدد المبادرات التشريعية التي ظلت حبيسة رفوف البرلمان دون تفعيل.
وبذلك، يظل الكسب غير المشروع في المغرب محاطًا بنوع من الفراغ التشريعي، يتم تعويضه جزئيًا عبر نصوص متفرقة لا ترقى إلى مستوى التجريم الواضح والمباشر.
* ما التمييز القانوني بين الكسب غير المشروع وتبييض الأموال؟
• التمييز بين الجريمتين تمييز أساسي من حيث الطبيعة والركن المادي.
فالكسب غير المشروع يتعلق بمصدر المال ذاته وبعدم مشروعية أو عدم تبرير الزيادة في الذمة المالية، وغالبًا ما يرتبط بإساءة استعمال السلطة أو الوظيفة أو النفوذ.
في المقابل، تُعد جريمة تبييض الأموال جريمة مستقلة ولاحقة، قوامها إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال المتحصلة من جرائم أصلية محددة بنص القانون، عبر عمليات مالية أو تجارية تهدف إلى إضفاء المشروعية الشكلية عليها.
* كيف عالج المشرع المغربي جريمة تبييض الأموال؟
• عالجها المشرع المغربي بشكل صريح من خلال القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال، كما وقع تعديله وتتميمه، حيث حدد بدقة الأفعال المجرمة، ووسع من نطاق الجرائم الأصلية، وأقر نظامًا زجريًا صارمًا يقوم على عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية مهمة، فضلًا عن المصادرة.
كما أحدث آليات مؤسساتية للوقاية والتتبع، في مقدمتها الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، التي تشكل حجر الزاوية في منظومة الرصد والتحليل والإحالة، انسجامًا مع الالتزامات الدولية للمغرب في هذا المجال.
* هل تكفي النصوص القانونية الحالية لتحقيق الردع الفعلي؟
• من منظور قانوني صرف، لا يكفي وجود النص القانوني لتحقيق الردع. فالإشكال الحقيقي يكمن في فعالية التطبيق، وفي صعوبات الإثبات، وتعقيد الجرائم المالية، فضلاً عن تداخل المصالح وضعف التنسيق المؤسساتي في بعض الحالات.
كما أن غياب قانون خاص بالكسب غير المشروع يفرغ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من جزء مهم من محتواه العملي.
* ما أبرز الإكراهات العملية التي تواجه المحامين والقضاء؟
• يمكن إجمالها في:
التعقيد الشديد للمسارات المالية وتشابكها
صعوبة إثبات العلاقة السببية بين الجريمة الأصلية والأموال موضوع التبييض
طول المساطر وتعقيد إجراءات البحث والتحقيق
محدودية فعالية التصريح بالممتلكات وضعف آليات المراقبة السابقة واللاحقة
* ما المقاربة القانونية الكفيلة بتعزيز محاربة هذه الجرائم؟
• المقاربة الناجعة تقتضي:
تشريعيًا: سن قانون واضح وصريح يجرم الكسب غير المشروع دون لبس، ويحدد أركانه وآليات إثباته.
مؤسساتيًا: تعزيز استقلالية ونجاعة أجهزة الرقابة وربطها بسلطة الإحالة والمتابعة.
وقائيًا وثقافيًا: تكريس ثقافة النزاهة والشفافية باعتبارهما مكمّلين أساسيين للزجر الجنائي.
* كلمة ختامية؟
• إن مكافحة الجرائم المالية ليست خيارًا ظرفيًا، بل ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون. فلا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية أو ثقة في المؤسسات دون مساءلة فعلية عن مصادر الثروة، ودون تفعيل صارم لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.