تبييض الأموال (أو غسل الأموال) تعد واحدة من أخطر الجرائم المالية المعاصرة؛ فهي ظاهرة معقدة وعابرة للحدود ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالجريمة المنظمة مثل الاتجار بالمخدرات والفساد والتهرب الضريبي وتمويل الإرهاب. فهم طبيعة هذه الجريمة وتأثيرها على المجتمع يمثل خطوة أساسية نحو مكافحتها وحماية

الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

1. تعريف جريمة تبييض الأموال

تبييض الأموال هي عملية إخفاء المصدر الحقيقي للأموال المكتسبة من أنشطة غير مشروعة مثل الاتجار بالمخدرات، الفساد، الرشاوى، وغيرها، ثم دمج هذه الأموال في النظام الاقتصادي المشروع ليظهر أنها أموال نظيفة.

* هذه العملية تتم عادة عبر عدة مراحل:

مرحلة الإيداع :

• التوظيف: إدخال الأموال غير المشروعة في النظام المالي.

مرحلة التمويه :

• إجراء معاملات معقدة لإخفاء المصدر الأصلي.

مرحلة الإدماج :

• إدخال الأموال ضمن الأصول المشروعة كاستثمارات أو أنشطة تجارية.

2. أسباب انتشار الجريمة

تنتشر جريمة تبييض الأموال لعدة أسباب، من بينها :

• الربحية العالية للعائدات غير المشروعة مقارنة بالمخاطر القانونية.

• عولمة النظام المالي وزيادة حركة الأموال عبر الحدود.

•التقدم التكنولوجي الذي يسهل التحويلات المالية ولمراقبة ضعيفة في بعض دول العالم.

3. الآثار السلبية على المجتمع والاقتصاد

تآكل الاستقرار الاقتصادي :

وجود كميات كبيرة من الأموال غير المشروعة في النظام المالي يشوه الأسعار، القيمة الحقيقية للأصول، ويؤثر على السياسات النقدية.

• انخفاض الإيرادات الضريبية :

الأموال المشبوهة لا تخضع للضرائب،
ما يقلل من الموارد المالية للدولة.

• الضغط على النظام المصرفي :

قد تتسبب عمليات غسل الأموال في تعرض البنوك لمخاطر مالية وثقة الجمهور تتأثر سلبًا.


* تأثير اجتماعي

تمكين الجريمة المنظمة: المال المغسول يغذي تنظيمات إجرامية، مما يعزز نشاطها وزيادة معدلات الجريمة.

* الفساد وتآكل الثقة :

تسهل عمليات تبييض الأموال الفساد في المؤسسات، وتضعف الثقة في النظام القضائي والمالي.

* عدم تكافؤ الفرص :

دخول الأموال غير المشروعة في الاقتصاد يؤثر على المنافسة، يضعف الشركات الشرعية ويخلق بيئة غير عادلة.

4. الأطر القانونية لمكافحة تبييض الأموال

• على المستوى الدولي

اتفاقيات الأمم المتحدة مثل اتفاقية فيينا لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، واتفاقية باليرمو لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، تشكل الأساس الدولي للتعاون في مكافحة غسل الأموال.

* مجموعة العمل المالي الدولي (FATF) :

تضع معايير موحدة وتوصيات لتقييم فعالية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتُدرج الدول في قوائم «القائمة الرمادية» أو «القائمة السوداء» بناءً على التزامها.

* على المستوى الوطني

تجريم جريمة غسل الأموال أصبح جزءًا من التشريعات الجنائية في معظم الدول، مثل:

• القوانين المتخصصة التي تُجرّم إخفاء أو تمويه أو إدخال أموال غير مشروعة في النظام المالي.

•,القوانين المصرفية ومكافحة الإرهاب المالي التي تلزم المؤسسات بالإبلاغ عن المعاملات المشكوك فيها.

• تعديل قوانين مثل القانون الأمريكي Anti-Money Laundering Improvement Act لعام 2022 الذي يعزز مكافحة الجريمة ويشجع التبليغ عن العمليات المشبوهة.

في بعض الدول العربية ، تم تشديد العقوبات وتوسيع صلاحيات الجهات الرقابية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما في ذلك تجميد الأصول وغرامات مالية كبيرة.

5. آراء جمعيات ومنظمات وخبراء
* المنظمات الدولية

• يرى صندوق النقد الدولي (IMF) أن غسل الأموال يهدد استقرار القطاع المالي ويمكّن المجرمين من الاستمرار في أنشطتهم غير القانونية، مما يؤدي إلى خسارة ثقة الجمهور في النظام المالي.


• مجموعة العمل المالي الدولي (FATF) تُشدد على أهمية تحقيق معايير الامتثال الدولية وتُراقب الدول التي تتأخر في تنفيذ توصياتها.

* المؤسسات غير الحكومية

• تؤكد منظمات مثل Basel Institute on Governance على ضرورة التعاون الدولي، وبيانات المخاطر، وأدوات التحليل لتعزيز فعالية مكافحة غسل الأموال وتحسين الحوكمة.

* الخبراء القانونيون

• الخبراء القانونيون يعتبرون الجريمة معقدة ومتشعبة، وتشمل قنوات مصرفية وغير مصرفية، وتؤكد الدراسات على ضرورة تحديث التشريعات وتعزيز التعاون بين الدول لملاحقة الشبكات المنظمة.

* الإطار القانوني المغربي

• القانون المنظم

في المغرب، تُجرّم جريمة تبييض الأموال بمقتضى القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والمكمَّل بأحكام مجموعة القانون الجنائي المغربي (الفصول 574 وما بعدها).

* تعريف الجريمة في القانون المغربي

• ينص القانون المغربي على أن أية عملية تنطوي على إخفاء، تحويل، إيداع، استخدام أو تملك عائدات ناتجة عن أنشطة إجرامية بهدف إضفاء صبغة شرعية عليها تعتبر جريمة تبييض أموال إذا ارتُكبت عمدًا وبمعرفة مسبقة بمصدر الأموال غير المشروع.

• كما تشمل الجريمة تقديم المساعدة أو المشورة لإخفاء مصدر الأموال أو تسهيل استخدامها في أنشطة مالية أو تجارية.

* العقوبات الجنائية ضد المتورطين
• العقوبات الأساسية

القانون المغربي يفرض عقوبات جنائية ورادعة على من يثبت تورطه في جريمة تبييض الأموال:

• الأشخاص الطبيعيون (الأفراد)
السجن من سنتين إلى خمس سنوات.
غرامة مالية من 20,000 إلى 100,000 درهم.

• الأشخاص المعنويون (الشركات والمؤسسات)
غرامة مالية من 500,000 إلى 3,000,000 درهم، دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن أن تطال المديرين أو المسؤولين العاملين بالشركة.

* تشديد العقوبات في حالات معينة

تضاعف العقوبات (حبس وغرامات) في الحالات التالية:

• عندما تُرتكب الجريمة باستغلال موقع مهني أو وظيفي (كالاستفادة من وظائف مصرفية أو مالية أو تجارية).

• إذا كان الفاعل يقوم بهذه الجريمة بصورة دائمة أو متكررة.

• إذا ارتكبت الجريمة من طرف عصابة منظمة.

• في حالة الإدانة السابقة (السابقة القضائية) في جرائم مشابهة.

* عقوبات إضافية

إلى جانب الحبس والغرامات، قد يصدر القضاء المغربي بحق المتهمين:
• المصادرة الكلية أو الجزئية للأموال
الممتلكات أو الأموال المستخدمة أو المرتبطة بارتكاب الجريمة، بما في ذلك العائدات الناتجة عنها، تُصادر بصورة نهائية لصالح الدولة.

* منع مزاولة المهنة

قد يُمنع الشخص المدان، بشكل مؤقت أو دائم، من مزاولة مهنته أو العمل في مجالات كانت مستخدمة في ارتكاب الجريمة.

* حل شخصيات معنوية

في الحالات الخطيرة، يمكن للقضاء أن يأمر بحل الشركة أو المؤسسة المتورطة في تبييض الأموال.

* نشر الأحكام القضائية

يمكن للقضاء أن يلزم المدان بنشر حكم الإدانة في وسائل الإعلام أو في المكان الذي ارتُكبت فيه الجريمة، على نفقته الخاصة.

* التطبيق العملي للقانون

في السنوات الأخيرة أصبحت المحاكم المغربية أكثر صرامة في تطبيق هذه القوانين، حيث سجلت في عام 2023 عددًا غير مسبوق من الأحكام المتعلقة بغسل الأموال، ما يدل على تعزيز جهود الاستجابة القانونية والتعاون القضائي.

* خلاصة

• القانون المغربي يعتبر تبييض الأموال جريمة جنائية خطيرة، ويحدد عقوبات تشمل الحبس، الغرامات، المصادرة، ومنع مزاولة المهنة.

• العقوبات تتشدَّد عندما يكون الفعل منظَّمًا، متكررًا، أو حين يستغل الجاني موقعًا مهنيًا.

• القضاء يملك صلاحيات أوسع تشمل المساس بالأموال والأصول، وحتى حل الشركات المتورطة.
هذه الآليات القانونية تجعل من مكافحة تبييض الأموال أولوية للمغرب في حماية الاقتصاد وتعزيز النزاهة المالية.


* خاتمة وتوصيات

• جريمة تبييض الأموال تمثل تهديدًا مزدوجًا: اقتصاديًا من خلال تشويه الأسواق المالية وتقليل الإيرادات الضريبية، واجتماعيًا بتقويض ثقة المجتمع في مؤسساته وتسهيل نشاط الجريمة المنظمة. لذا، يتطلب التصدي لها استراتيجية شاملة تشمل :

• تعزيز الأطر القانونية الوطنية وتحديثها باستمرار.
• التعاون الدولي لتبادل المعلومات والملاحقات القضائية.
• تفعيل وحدات المعلومات المالية في البنوك والمؤسسات.
• رفع مستوى الوعي داخل المجتمع ومنظمات القطاع الخاص.